مقالات الظهيرة

(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… موت الجماعة عُرس!!

نحن كسودانيين لدينا مثلٌ عجيب، لكنه دستورٌ غير مكتوب نحتكم إليه في كل تفاصيل حياتنا اليومية، وهو المثل القائل: “موت الجماعة عُرس”.

نحن نختلف في كل شيء، نختلف في تشجيع كرة القدم، ونختلف في السياسة، ونختلف في أذواقنا، ولكننا نتفق اتفاقاً عجيباً عند المصائب والهموم. نصبح يداً واحدة وقلباً واحداً، وكأن المشكلة إذا عمّت خفّت، وإذا خصّت وحدك أصبحت كارثة.

وأبسط مثال على ذلك هو قصة الكهرباء.

تنقطع الكهرباء وأنت جالس في بيتك في حر الصيف، والعرق يتصبب منك، والمروحة متوقفة أمامك تنظر إليك ببلاهة كأنها تقول لك: اعذرني.

ما هو أول شيء تفعله؟ هل تذهب لتتفقد صندوق الكهرباء؟ هل تتصل بشركة الكهرباء للاستفسار؟ أبداً.

أول شيء تفعله هو أن تفتح باب المنزل وتصرخ بأعلى صوتك: يا جماعة، هل الكهرباء مقطوعة عندكم أيضاً؟

فيأتيك الرد من الجيران: نعم، مقطوعة عندنا أيضاً.

هنا تشعر براحة نفسية عجيبة، وتقول بكل اطمئنان: الحمد لله. تحمد الله ليس لأن الكهرباء ستعود، بل لأنها لم تقطع عندك وحدك. كأنك كنت تظن أن الكهرباء غاضبة منك أنت وحدك وتقاطعك أنت بشكل شخصي.

 

أما إذا قال لك الجيران: لا، الكهرباء تعمل عندنا بشكل جيد، فهنا تصبح المصيبة مصيبتين: انقطاع كهرباء، وانكسار خاطر. تشعر بأنك منبوذ، وتسأل نفسك: لماذا أنا وحدي؟ ماذا فعلت؟

ونفس القصة تتكرر مع انقطاع المياه. تدور على كل المنازل في الحي لتسأل، وعندما تتأكد أن المياه مقطوعة بشكل عام، تذهب لتنام وأنت مطمئن حتى ولو كنت عطشاناً، المهم أن الجميع عطشى معك.

حتى في محنة النزوح الأخيرة رأينا هذا المثل يتجسد. تجد الجميع نازحاً، هذا يسكن في مدرسة وذاك يسكن في خيمة، ينظرون إلى بعضهم ويضحكون ويقولون: ما دمنا جميعاً على نفس الحال، فالأمر يهون. فالهم عندما يتوزع يخف وزنه.

نحن شعب غريب وعجيب، نفرح بمصيبة الجماعة ليس شماتة، حاشا لله، ولكن لأننا نشعر بأننا لسنا وحدنا في هذه الحفرة. فالشخص إذا تعطلت سيارته في الطريق يحزن، ولكن إذا وجد الشارع كله مزدحماً والسيارات كلها متوقفة، يفتح النافذة ويشغل أغنية ويقول: حتى الزحام له طعم عندما يكون جماعياً.

ولذلك فإن هذه الحرب رغم قسوتها علمتنا أننا نحمل بعضنا بعضاً. إذا انقطعت الكهرباء قلنا: انقطعت عندنا جميعاً، وإذا تأخر الراتب قلنا: تأخر عندنا جميعاً، وإذا اصطففنا أمام المخبز قلنا: وقفنا جميعاً.

إن “موت الجماعة عُرس” ليس مجرد مثل ساخر، بل هو شكل من أشكال التضامن والتكاتف بطريقتنا السودانية الجميلة، طريقة تقول لك: أنت لست وحدك، كلنا في الهم سواء.

والحمد لله على كل حال، ما دامت مقطوعة عند الجيران، فنحن بخير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى