مقالات الظهيرة

قراءة استراتيجية استشرافية لقرار بنك السودان المركزي بسحب العملات الصغيرة من التداول… في فقه السيادة النقدية بين تصحيح التركيبة النقدية وخطر الدولرة القاعدية

الدكتور /محمد عوض محمد متولي

المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

 

عندما تفقد الورقة النقدية قدرتها على شراء رغيف الخبز، فإنها تفقد وظيفتها كوسيط تبادل قبل أن تفقد قيمتها الاسمية.

هذا هو التشخيص العلمي لقرار بنك السودان المركزي الصادر يوم السبت الرابع من يوليو 2026م والذي قضى بسحب فئات 1 جنيه، 2 جنيه، 5 جنيهات، 10 جنيهات، 20 جنيهاً، و50 جنيهاً من التداول، عملاً بأحكام المادة 3/25 من قانون بنك السودان المركزي لسنة 2002م.

ومنح حامليها مهلة ثلاثة أشهر تنتهي بنهاية عمل يوم 30 يوليو 2026م للاستبدال بالقيمة الاسمية عبر الإيداع في الحسابات المصرفية فقط، دون السماح بالاستبدال النقدي المباشر. إنه قرار لا يتعلق بتقليل كلفة الطباعة بقدر ما يتعلق بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والعملة والمواطن في اقتصاد يعيش معادلة “الصفر الكبير”، حيث الإيراد السيادي لا يتجاوز مئات الملايين مقابل تكلفة دولة تتجاوز أربعة مليارات دولار.

 

من المنظور النظري، نحن أمام انهيار منطق نموذج Baumol-Tobin لطلب النقود لأغراض المعاملات. عندما تصبح كلفة حمل فئة الخمسين جنيهاً، التي تساوي أقل من واحد من مائة دولار بسعر صرف يتجاوز خمسة آلاف جنيه، أعلى من كلفة تحويل رقمي، يتحول استمرارها إلى “ضريبة كفاءة سلبية” يدفعها الاقتصاد كله دون عائد.

ومن زاوية قانون Gresham’s Law المقلوب، لم تعد العملة الرديئة ذات القيمة الشرائية المتدنية قادرة على طرد العملة الجيدة، بل أصبح الدولار هو الذي يطرد الجنيه من سلوك المواطن اليومي. لذلك يأتي سحب الفئات الصغيرة كمحاولة لكسر هذه الحلقة قبل أن تتحول الدولرة من ظاهرة نخبة إلى عرف قاعدي يصعب عكسه.

 

إن هذا القرار يحمل في طياته ثلاثة أبعاد متداخلة لا يمكن فصلها. البعد الكفائي يتمثل في تحرير الموارد اللوجستية والأمنية التي كانت تُهدر على طباعة ونقل وتأمين ورق لم يعد يؤدي وظيفته الاقتصادية. البعد السيادي يتجلى في حماية الشرايين الدقيقة للدورة النقدية اليومية،

فهذه الفئات تمثل أقل من 3% من الكتلة النقدية الاسمية لكنها تنفذ أكثر من 60% من عدد المعاملات اليومية في الخبز والمواصلات والخضار. البعد البياناتي يتعلق بتحويل اقتصاد الظل إلى اقتصاد مرئي، لأن كل معاملة ورقية هي معاملة خارج البيانات لا يمكن تتبعها أو إدخالها في نماذج التنبؤ أو خصم ضريبة عليها. ولهذا جاء القرار بلغة سياسية واضحة: لا تسريب ورقي، ولا تسريب رقمي خارج بوابة الدولة. كل جنيه يجب أن يمر من قناة البنك المركزي أو المصارف التجارية. إما سيادة كاملة على وحدة النقد، أو انهيار كامل لوظيفتها.

 

ولفهم مسار هذا القرار ومصيره، لا بد من وضعه في ميزان التجارب الدولية الكبرى. الهند نجحت في عام 2016م عندما سحبت 86% من كتلتها النقدية لأنها أطلقت نظام الدفع الفوري UPI مجاناً وسريعاً قبل أن يقع السوق في فراغ السيولة. فنزويلا فشلت عندما سحبت فئاتها الصغيرة دون بديل رقمي موثوق وفي ظل تضخم جامح، فكانت النتيجة دولرة كاملة للمعاملات اليومية وانهيار الثقة في البوليفار.

نيجيريا فشلت عندما حاولت فرض عملة جديدة بسحب القديمة دون توفير سيولة كافية، فانفجرت الاحتجاجات وتراجع الناتج. الدرس الجامع من هذه التجارب يقول إن سحب النقود دون بديل جاهز يساوي مصادرة سيولة، ومصادرة السيولة في اقتصاد هش تساوي انهيار ثقة، وانهيار الثقة يساوي انهيار وظيفة الدولة النقدية.

 

وبناء على ذلك، فإن المستقبل أمام السودان حتى نهاية عام 2026م لا يحتمل إلا ثلاثة مسارات استراتيجية استشرافية. المسار الأول هو مسار السيادة الرقمية المتكاملة.

ويتحقق إذا تزامن سحب الفئات مع ثلاثة شروط متلازمة: إلزام المصارف بفتح حساب أساسي مجاني فوري لكل مواطن، وتصفير رسوم التحويل الإلكتروني للمبالغ أقل من خمسين ألف جنيه، وإلزام جميع نقاط البيع بقبول الدفع بالجنيه السوداني إلكترونياً خلال ستين يوماً.

الأثر الاستشرافي المقاس في هذا المسار هو ارتفاع معدل الشمول المالي من 35% إلى 55%، وعودة 15% من الكتلة النقدية خارج المصارف إلى النظام الرسمي.

وانخفاض سعر الدولار الموازي بنسبة 8% إلى 12% خلال تسعين يوماً لأن الطلب القاعدي عليه يتراجع. هذا المسار يحول القرار من صدمة سيولة إلى إصلاح هيكلي ويؤسس لبنك مركزي رقمي قادر على إدارة السياسة النقدية بفعالية.

 

المسار الثاني هو مسار الفراغ والدولرة القاعدية المتسارعة، ويحدث إذا سبق سحب الورق قدرة النظام الرقمي على الاستيعاب، أو بقيت رسوم التحويل أعلى من الصفر. الأثر الاستشرافي المقاس هنا هو هجرة 40% من معاملات السوق الصغيرة إلى الدولار خلال ستة أشهر، وارتفاع الدولار بنسبة 15% إلى 20%، وتسعير 30% من السلع الأساسية بالعملة الأجنبية. الخطر في هذا المسار أنه يغير سلوك الأجيال، فتصبح الدولرة عادة لا ظرفاً، واستعادتها تتطلب عقوداً لا شهوراً.

 

المسار الثالث هو مسار الاحتكار الرقمي الخاص، ويظهر إذا ملأ الفراغ مشغل خاص دون رقابة صارمة أو استضافة وطنية للبيانات.

الأثر الاستشرافي المقاس هو استبدال تسريب الورق بتسريب البيانات والرسوم، وفرض رسوم معاملات تصل إلى 1.5%، وتحكم شركة واحدة في 70% من حركة السيولة اليومية. هنا نكون قد نقلنا السيادة من الجيب إلى الخادم دون أن نملك الخادم أو الكود أو البيانات. وهذا أخطر من الدولرة لأنه يصادر السيادة الرقمية نفسها.

 

لتفادي المسارين الثاني والثالث وتحقيق المسار الأول، تقتضي المنهجية العلمية توزيع المسؤولية بدقة على ثلاث مستويات تنفيذية.

المستوى الأول هو بنك السودان المركزي، وعليه إصدار قرار إلزامي خلال أسبوعين يفرض على كل مصرف تجاري فتح حساب أساسي مجاني مع بطاقة دفع فورية.

وتعميم بتخفيض رسوم التحويل للمبالغ أقل من خمسين ألف جنيه إلى الصفر. آلية التنفيذ تكون عبر غرفة عمليات مركزية تربط المصارف لحظياً وترفع مؤشراً يومياً لنسبة قبول الجنيه إلكترونياً لمحافظ البنك. المستوى الثاني هو مجلس السيادة الانتقالي بالتنسيق مع وزارة المالية، وعليه إصدار مرسوم بقانون يصنف نظام الدفع الإلكتروني كبنية تحتية حيوية للأمن القومي، ويلزم استضافة جميع البيانات داخل السودان، ويفرض ملكية الدولة للكود المصدري أو حق التدقيق الكامل عليه.

آلية التنفيذ تكون بتمويل عاجل لإعادة تأهيل شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية EBS لتصبح المشغل الوطني الحصري تحت إشراف البنك المركزي خلال تسعين يوماً.

المستوى الثالث هو النائب العام ووزارة العدل، وعليه إصدار قرار يجرم رفض قبول الدفع بالجنيه السوداني إلكترونياً في السلع والخدمات الأساسية، ويجرم التسعير بالعملة الأجنبية داخل الأراضي السودانية. آلية التنفيذ تكون بحملات تفتيش مشتركة مع اتحاد الغرف التجارية وشرطة حماية المستهلك خلال ثلاثين يوماً من بدء سحب الفئات، مع إعلان أسبوعي عن المخالفات لردع السوق.

نسبة المعاملات بالعملة الأجنبية في الأسواق الصغيرة، ومتوسط زمن تنفيذ التحويل الإلكتروني، ونسبة تعطل النظام. هذا المرصد هو البوصلة التي تمنع الانحراف قبل وقوعه، ويرفع تقريره لمجلس السيادة كل أسبوعين.

 

إن سحب الفئات الصغيرة ليس نهاية أزمة السيولة، بل هو بداية اختبار السيادة. الاقتصاد لا يحتمل المنطقة الرمادية، والمعادلة الآن بسيطة وحاسمة: زمن تنفيذ التحويل مضروباً في كلفة التحويل مضروباً في نسبة الانتشار يساوي نسبة الدولرة. إذا كانت النتيجة أقل من واحد، يبقى الجنيه. إذا كانت أكثر من واحد، ينسحب الجنيه. التاريخ الاقتصادي لا يسأل لماذا اختفت فئة نقدية، بل يسأل من كان يملك البديل يوم اختفائها.

إذا كان البديل حساباً وطنياً تحت سيطرة بنك السودان، فقد ربحنا معركة السيادة. وإذا كان البديل دولاراً في يد تاجر أو تطبيقاً أجنبياً في هاتف مواطن، فقد خسرنا الحرب قبل أن تبدأ.

والقاعدة الذهبية في اقتصاد الأزمات تقول إن من يملك زر السيولة اليومية يملك القرار، ومن يملك القرار في زمن الصفر الكبير يملك مصير الأمة. إما أن نملأ فراغ الفكة بجنيه رقمي سوداني، أو يملؤه غيرنا بدولار أجنبي. والاختيار يجب أن يتم اليوم، لا غداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى