رؤية وطنية نكتب للوطن ونفكر للمستقبل…بلادُ الشمس… حين يُطفئ الضميرُ مصابيحَ الوطن!!

بقلم /ابوعبيدة أحمد علي عباس
============
ليس أشدَّ على النفس ألمًا من أن ترى وطنًا أغدق الله عليه نعمه، ثم تراه يشكو الفاقة إليها؛ ولا أقسى على القلب من أن تقف في أرضٍ تتعاقب عليها الشمس من مشرقها إلى مغربها، حتى يخيل للناظر أنها خُلقت لتكون منبعًا للنور، فإذا بأهلها يتلمسون طريقهم في الظلام.
قرأتُ مقال أخي العزيز الدكتور إسماعيل الحكيم الموسوم «بلاد الشمس المظلمة»، فما وجدته مقالًا عن الكهرباء بقدر ما وجدته مرثيةً لضميرٍ غاب، وناقوسًا يدق في وجدان الأمة قبل أن يطرق أبواب المسؤولين. فقد كانت الكهرباء فيه رمزًا، وكانت الأسلاك والمحولات شواهدَ على عطبٍ أعمق يسكن النفوس قبل أن يسكن المؤسسات.
إن الحرب التي عصفت بالسودان قد أتت على الأخضر واليابس، ولم تترك مرفقًا حيويًا إلا أصابته بجراحها، وكان قطاع الكهرباء من أكثر القطاعات نزفًا وخسارة. دُمِّرت المحطات، وتمزقت الشبكات، وانقطعت الشرايين التي كانت تبعث الحياة في المدن والقرى، حتى أصبح الليل أطول مما خلقه الله، وصارت العتمة ضيفًا ثقيلًا لا يغادر البيوت.
غير أن الحرب – على قسوتها – ليست وحدها المسؤولة عن هذا المشهد المؤلم؛ فإن الأمم العظيمة تُعرف عند المحن، لا عند الرخاء، ويُقاس معدن الرجال ساعة الأزمات لا ساعة السعة. وكان المنتظر أن تتحول الأزمة إلى دافعٍ للإبداع، وإلى حافزٍ للتخطيط، وإلى مدرسةٍ في حسن الإدارة، فإذا بها في كثير من الأحيان تتحول إلى دائرةٍ من الارتجال، وتكرار الوعود، وتأجيل الحلول.
ولئن كان خرابُ العمران يؤلم، فإن خراب الضمير أشد إيلامًا؛ فما قيمة أن تُبنى المحطات إذا تهدمت الأخلاق؟ وما جدوى أن تمتد الأسلاك إذا انقطعت صلة الإنسان بواجبه؟
لقد أصاب الدكتور إسماعيل الحكيم كبد الحقيقة حين أشار إلى أزمة الضمير؛ لأن الأمم لا تهزمها الحروب وحدها، وإنما يهزمها حين يستسلم أبناؤها للأنانية، ويغدو المال العام غنيمة، والوظيفة امتيازًا، والقانون نصًا يُقرأ ولا يُعمل به.
ولقد رأينا كيف أصبح الاعتداء على الكهرباء، وسرقة التيار، والتعدي على الشبكات، أمرًا يمر عند بعض الناس مرور العادة، وكأنهم لا يدركون أنهم لا يسرقون الدولة وحدها، بل يسرقون حق المريض في مستشفاه، والطالب في مدرسته، والمزارع في مشروعه، والطفل في نور بيته.
وأحسب أن أعظم خسائر انقطاع الكهرباء ليست ظلمة البيوت، وإنما ظلمة الأمل في نفوس الناس. فكم من أسرة كانت تتأهب للعودة إلى وطنها، فلما علمت أن الكهرباء لا تزال غائبة، آثرت البقاء في المنافي. وكم من مصنعٍ بقيت أبوابه موصدة، وكم من مشروعٍ زراعي تأخر، وكم من مستثمرٍ انصرف، لأن التنمية لا تقوم في وطنٍ ينطفئ مع غروب الشمس.
وليس يخفى أن استقرار الكهرباء سيكون من أعظم دوافع العودة الطوعية، لأن الإنسان لا يعود إلى أرضٍ فقدت مقومات الحياة، مهما اشتد به الحنين إليها.
ويؤلمني أن أرى بعض المواطنين وقد اضطروا إلى بيع منازلهم التي شيدوها بعرق السنين، بينما تظهر جهاتٌ تعرض أثمانًا لا يفسرها منطق السوق وحده. ومن حق الدولة، بل من واجبها، أن تراقب هذه التحولات بعينٍ يقظة، وأن تحمي الأرض والإنسان معًا، حتى لا تتحول آثار الحرب إلى أبوابٍ لمشروعات تستهدف تغيير الواقع السكاني والاجتماعي بوسائل أخرى.
غير أن السودان، وهو يداوي جراحه، يملك من أسباب النهضة ما لا تملكه دول كثيرة. فمن نعم الله عليه أنه من أغنى بلاد الأرض بالشمس، ومن أوسعها فضاءً لرياحٍ تستطيع – إذا أحسن استثمارها – أن تتحول إلى طاقةٍ تبعث الحياة في كل شبر من هذا الوطن.
وأذكر أن تجربةً علمية رائدة بدأت منذ عام 2002 في تخوم سوبا بإشراف باحثين من جامعة الخرطوم في مجال الطاقة البديلة، وكانت تبشر بمستقبل واعد، غير أن كثيرًا من أحلام العلماء في بلادنا بقيت تنتظر من يمد إليها يد العناية.
ومن هنا، فإنني أدعو إلى مشروعٍ وطنيٍ كبير، تُفتح فيه الأبواب أمام الشراكات الاستراتيجية مع جمهورية الصين الشعبية وغيرها من الدول الرائدة في تقنيات الطاقة المتجددة، على أن يكون ذلك تحت إشراف الدولة مباشرة، وبأعلى درجات الحوكمة والرقابة، حتى لا يتحول هذا القطاع إلى سوقٍ تعج بالمعدات الرديئة التي يذهب ثمنها من جيب المواطن، ولا يبقى له منها إلا الحسرة.
إن استزراع الطاقة الشمسية، إلى جانب الاستثمار في طاقة الرياح، ليس مشروعًا للكهرباء وحدها، بل مشروعٌ لإحياء السودان كله؛ فبه تعود المصانع إلى الدوران، وتنبض الحقول بالإنتاج، وتزدهر المدن، وتستعيد القرى حياتها، وتُعبد الطريق أمام العودة الطوعية، ويبدأ الإعمار من حيث يبدأ الضوء.
وأختم فأقول: إن الوطن لا تضيئه المحطات وحدها، وإنما تضيئه الضمائر. فإذا استقام ضمير المسؤول، وأخلص العامل، وأدى المواطن واجبه، وأصبح المال العام أمانةً لا غنيمة، فإن الشمس التي أكرم الله بها السودان ستشرق في القلوب قبل أن تشرق في السماء.
تحية وفاء وتقدير لأخي الكريم الدكتور إسماعيل الحكيم، الذي أحسن إذ جعل من أزمة الكهرباء حديثًا عن الإنسان، ومن انقطاع التيار حديثًا عن انقطاع الضمير. فالكهرباء ليست مجرد خدمة، بل هي شريان التنمية، وروح الاقتصاد، وجسر العودة، وبداية الطريق إلى وطنٍ يستحق أن يخرج من ظلام الحرب إلى نور السلام، ومن عتمة الأزمات إلى فجر النهضة.
أبوعبيدة أحمد علي
رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية
مجلس الصداقة الشعبية العالمية
رئيس مبادرة التكامل الشعبي بين السودان ومصر



