د.ياسر عثمان أبو عمار يكتب … رحيل الأمير الوالد.. بنيانُ قومٍ تهدَّما!!

لم يكن رحيل الأمير الوالد، الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حدثًا يخص دولة قطر وحدها، بل كان مصاباً جللاً تجاوز حدود الوطن إلى محيطه العربي والإسلامي. فقد غاب قائدٌ ارتبط اسمه بمرحلة تاريخية صنعت ملامح قطر الحديثة، ورسخت مكانتها بين الأمم، حتى استحق أن يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز القادة الذين جمعوا بين الرؤية الاستراتيجية، والحكمة السياسية، والإرادة الصلبة.
قاد الأمير الوالد مرحلة تأسيسية فارقة، جعل فيها الإنسان محور التنمية، فاستثمر في التعليم، والصحة، والبحث العلمي، وبناء المؤسسات، وتمكين الشباب، وتنويع الاقتصاد، لتشهد قطر نهضة شاملة امتدت آثارها إلى مختلف القطاعات. وقد اقترنت هذه الإنجازات برؤية بعيدة المدى، أسهمت في بناء دولة حديثة، قادرة على مواكبة المتغيرات واستشراف المستقبل.
من أبرز ما ميّز تجربة الأمير الوالد نجاحه في تحقيق التوازن بين التحديث والمحافظة على الهوية الوطنية. فقد مضت قطر بخطى واثقة نحو التطور والانفتاح، مع التمسك بقيمها العربية والإسلامية، وتراثها الأصيل، لتقدم نموذجاً تنموياً يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويؤكد أن التنمية لا تعني التخلي عن الهوية، بل الانطلاق منها.
على الصعيد الخارجي، رسخ الأمير الوالد نهجاً سياسياً قائماً على استقلالية القرار، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والإيمان بالحوار وسيلةً لتسوية النزاعات. كما عُرف بدعمه للشعوب، ومساندته للقضايا العربية والإسلامية، وإسهاماته في جهود الوساطة، وتعزيز الأمن والاستقرار، حتى أصبحت قطر شريكاً موثوقاً في العديد من المبادرات الإقليمية والدولية.
جسدت مشاهد تقاطر المعزين والمشيعين من مختلف دول العالم، وما تضمنته برقيات التعزية ورسائل الرثاء، حجم التقدير الذي حظي به الأمير الوالد. فقد أجمع قادة دول، ومنظمات إقليمية ودولية، وشخصيات سياسية وفكرية، على أنه رجل دولة استثنائي، أسهم بحكمته وبعد نظره في تعزيز ثقافة الحوار، ومد جسور التعاون، ودعم جهود السلام والتنمية.
وكان للشعب السوداني، داخل السودان وخارجه، حضورٌ صادق في التعبير عن مشاعر الحزن، تقديراً لما جمعه بالأمير الوالد من روابط الأخوة، ولمواقفه الداعمة للسودان وشعبه في مختلف المراحل. كما عبرت الجالية السودانية في دولة قطر عن بالغ حزنها وصادق مواساتها، مستذكرة إسهاماته في دعم مسيرة التنمية، وحرصه على توثيق العلاقات الأخوية بين البلدين، سائلين الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدم لوطنه وأمته.
برحيل الأمير الوالد، فقدت قطر قائداً استثنائياً، وفقدت الأمتان العربية والإسلامية أحد رجالاتهما الحكماء، الذين اقترن اسمهم بالحكمة، والاعتدال، ورجاحة الرأي. غير أن القادة العظام لا يرحلون بأجسادهم فحسب، بل تبقى أعمالهم شاهدة عليهم، ويبقى إرثهم حاضراً في مسيرة الأوطان.
وسيظل الأمير الوالد رمزاً لمرحلة صنعت نهضة قطر، وأرست دعائمها الحديثة، ورسخت مكانتها الإقليمية والدولية، ليبقى عطاؤه مصدر إلهام للأجيال، وشاهدًا على أن بناء الإنسان هو الطريق الأصدق إلى بناء الأوطان.



