مقالات الظهيرة

د. عبد الوهاب عبد الفضيل يكتب… التنافس على المستقبل… السودان بين تحديات الحاضر وصناعة الغد

لم يعد التنافس بين الدول في عالم اليوم على الأرض والثروات والأسواق وحدها، بل انتقل إلى ميدان أكثر أهمية وخطورة: التنافس على المستقبل.

والمستقبل لا يُنتظر، وإنما يُصنع.

في عالم تتسارع فيه المعرفة، وتتقدم فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتتغير فيه أنماط التعليم والإعلام والعمل، لم تعد قوة الدول تُقاس فقط بما تملكه من موارد طبيعية، وإنما بما تملكه من عقول قادرة على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة وتأثير.

وهنا يبرز السؤال السوداني الكبير:

هل نملك رؤية واضحة للمستقبل الذي نريد؟

يمتلك السودان ثروة بشرية هائلة، وجامعات عريقة، وكفاءات منتشرة داخل الوطن وخارجه، وشبابًا قادرًا على التعلم والإبداع. لكن هذه الطاقات تحتاج إلى بيئة حاضنة، ومؤسسات تستثمر فيها، وسياسات تجعل المعرفة جزءًا أساسيًا من مشروع الدولة والمجتمع.

فالجامعة السودانية ينبغي ألا تكون مجرد مكان للتدريس ومنح الشهادات، بل يجب أن تكون مركزًا لصناعة المستقبل؛ تنتج المعرفة، وتدعم البحث العلمي، وتواكب التحول الرقمي، وتُخرج إنسانًا قادرًا على المنافسة في عالم لم تعد حدوده جغرافية.

والإعلام كذلك لم يعد مجرد ناقل للأخبار، بل أصبح شريكًا في صناعة الوعي وتشكيل صورة المستقبل. والإعلام الذي لا يواكب التحولات الرقمية والذكاء الاصطناعي سيجد نفسه عاجزًا عن مخاطبة أجيال جديدة تتشكل رؤيتها للعالم عبر المنصات الرقمية.

أما الذكاء الاصطناعي، فهو ليس مجرد تقنية جديدة، بل تحول كبير سيعيد تشكيل التعليم والإعلام والإدارة والاقتصاد وسوق العمل.

لذلك فإن التعامل معه بالخوف أو التجاهل لن يوقفه، بينما يمكن للاستعداد له بالتعليم والتدريب والتشريعات والاستخدام المسؤول أن يحوله إلى فرصة حقيقية للسودان.

إن السودان، وهو يواجه تحديات الحاضر، يحتاج في الوقت نفسه إلى أن ينظر إلى ما بعد الحاضر.

نحتاج أن نسأل:

ماذا نريد لجامعاتنا بعد عشر سنوات؟

كيف سيكون إعلامنا؟

كيف نؤهل شبابنا لوظائف لم تظهر بعد؟

كيف نحول الأرشيف الوطني إلى ذاكرة رقمية مفتوحة؟

وكيف نجعل المعرفة والتقنية أدوات لإعادة البناء والتنمية؟

إن معركة المستقبل لا تبدأ عندما يأتي المستقبل، بل تبدأ اليوم؛ في قاعة المحاضرات، ومختبر البحث العلمي، وغرفة الأخبار، ومراكز التدريب، وفي كل مؤسسة تؤمن بأن الإنسان هو أعظم استثمار.

والأمم التي ستفوز في هذا السباق ليست بالضرورة الأكثر ثراءً، وإنما الأكثر قدرة على التعلم والتكيف والابتكار وصناعة المعرفة.

أما من يكتفي بمراقبة الآخرين وهم يصنعون المستقبل، فسوف يجد نفسه يعيش مستقبلًا صنعه غيره.

 

whba938@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى