مقالات الظهيرة

د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… مليار دولار من بنك الخرطوم… وفرص التعافي!!

حملت الأنباء أن بنك الخرطوم سوف يوفر نحو مليار دولار عبر مراسليه لتمويل استيراد السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها الوقود والأدوية والقمح والدقيق والسكر والأسمدة.

 

مليار دولار في هذه الظروف ليس رقماً عابراً، بل فرصة حقيقية لتحريك عجلة الاقتصاد إذا أحسنا توجيهه وإدارته.

 

والخيارات بالتأكيد صعبة، لأن الاحتياجات أكبر من الموارد، ولكن الأولويات يجب أن تُرتب وفق قدرتها على تحريك قطاعات أخرى.

 

والوقود، على سبيل المثال، ليس مجرد سلعة للاستهلاك؛ فهو مدخل إنتاج.

 

توفير الوقود يعني تشغيل الزراعة، خصوصاً الزراعة المطرية ذات المساحات الشاسعة، وتشغيل طلمبات الري والآليات الزراعية ووسائل النقل. ويعني كذلك إعادة تشغيل المصانع، بما يرفع الإنتاج المحلي ويقلل الحاجة إلى استيراد السلع الغذائية.

 

وهنا يجب أن ننتقل من عقلية «تمويل الاستهلاك» إلى عقلية تمويل الإنتاج.

 

إذا كان جزء من هذا التمويل موجهاً لتوفير الوقود والأسمدة ومدخلات الإنتاج الزراعي، فإن العائد لن يكون في قيمة السلعة وحدها، بل في سلسلة الإنتاج التي تتحرك خلفها.

 

وكذلك يمكن أن يكون من أولويات المرحلة إعادة تأهيل عدد من مصانع السكر، ودعم إنتاج القمح بتوفير مدخلاته الأساسية، لأن كل طن ننتجه محلياً يعني دولاراً أقل يخرج من البلاد لاستيراده.

 

المعادلة ببساطة: الدولار الذي يمول الإنتاج اليوم يمكن أن يوفر دولارات الغد.

 

لكن هناك قضية لا تقل أهمية عن الحصول على التمويل نفسه: الوفاء بالسداد في موعده.

 

فنجاح هذه الدورة التمويلية وسداد الالتزامات في آجالها لا يحافظ فقط على سمعة بنك الخرطوم وعلاقاته مع مراسليه، وإنما يمكن أن يفتح الباب أمام تمويلات أكبر في المستقبل.

 

مليار دولار اليوم قد يصبح أكثر من مليار غداً، إذا أثبت السودان أن التمويل الذي يحصل عليه يُدار بكفاءة، وأن الالتزامات تُحترم، وأن الأموال تتحول إلى إنتاج وحركة اقتصادية لا إلى مجرد استهلاك.

 

وهنا أيضاً تكمن أهمية المستثمرين الذين استقطبهم البنك في هذه الدورة. فالمستثمر لا يبحث فقط عن فرصة، وإنما يبحث عن بيئة مصرفية موثوقة، وسياسات واضحة، وقدرة على تحويل التمويل إلى نشاط اقتصادي قابل للاستمرار.

 

الحصول على التمويل نجاح، ولكن حسن إدارة التمويل هو الاختبار الحقيقي.

 

نحتاج إلى أن نعرف أين ذهب كل دولار، وماذا أنتج، وكم وفّر من واردات، وكم أضاف إلى الصادرات، وكم فرصة عمل خلقها.

 

فالاقتصاد لا يتعافى بالأرقام المعلنة، وإنما بما تتركه هذه الأرقام على الأرض من إنتاج، ومصانع تعمل، ومزارع تزرع، وأسواق تستقر.

 

مليار دولار يمكن أن يكون مجرد مليار دولار… ويمكن أن يكون بداية دورة اقتصادية جديدة.

 

والفارق بين الاثنين هو حسن الإدارة، والشفافية، والانضباط، والقدرة على تحويل التمويل إلى إنتاج.

 

الله المستعان…..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى