مقالات الظهيرة

د. إسماعيل الحكيم يكتب…. عقل الدولة الغائب: من يفكر للحكومة السودانية؟

من يفكر للدولة ؟ سؤال ظل يتردد في خلدي زماناً طويلاً .. إذ تتفاضل الدول وتتفاوت تجارب الحوكمة فيها لا نما تملتكه من أصول وموارد.

ولكن بمنظومات التفكير الحاكم وحصافة العقل المدبر الذي يدير تلك الموارد. وفي الممارسات السياسية الرشيدة، تتكئ الحكومات على بنية فكرية واستراتيجية صلبة، تشكل مراكز الفكر والرأي فيها العمود الفقري ،ة.

حيث تُوفر لها المعينات الفنية، وتُرفد بنخبة من أولي النهى والأحلام وأهل الحل والعقد، لتُنسج داخل محاريبها البحثية الرؤى بعيدة المدى، وتُحلل البيانات بدقة متناهية، قبل أن تُسلم مخرجاتها إلى جهاز تنفيذي يمتلك الكاريزما والرؤية للعبور بالبلاد نحو غايتها.

غير أن المتأمل في مسلك الدولة السودانية عبر حقب متطاولة، يجد شقاقاً بائناً بين هذا النموذج العلمي وبين الواقع المعيش؛ إذ يبدو المشهد التنفيذي في نظر المواطن كحالة من الإبحار بلا بوصلة.

حيث يسود ارتجال القرارات، وتغيب المعلومة الإحصائية والميدانية الدقيقة عند اتخاذها، وتغلب الحلول الإسعافية وقتية الأثر على التخطيط الاستراتيجي المستدام، مما يجسد الخطر الأكبر لا في الإخفاق الإداري فحسب، وإنما في تبديد الموارد القليلة وتعميق الأزمات وتكريس عدم اليقين لدى مجتمع أرهقته تداعيات الرؤى القاصرة.

إن تتبع جذر هذه المعضلة ينتهى بنا إلى خلل بنيوي يكمن في القطيعة المعرفية والتنظيمية داخل أجهزة الحكم، حيث تعاني الدولة من غياب الذاكرة المؤسسية والنزوع المستمر نحو البدء من النقطة صفر مع كل تغيير سياسي، مما يحول دون تراكم الخبرات ويجعل المؤسسات في حالة إعادة اختراع مستمرة للعجلة.

يرافق ذلك عزلٌ شبه كامل للعقل البحثي والأكاديمي عن دوائر صنع القرار، فبينما يزخر السودان بعقول فذة ومؤسسات علمية عريقة، تظل الفجوة هائلة بين الإنتاج المعرفي وصانع القرار الذي غالباً ما تسيره الاعتبارات السياسية والظرفية الضيقة على حساب التوصيات الموزونة. وتكتمل صورة هذا الخلل

بالتنصل من إدارة البيانات والمعلومات، حيث يصدر القرار الشامل محمولاً على الانطباعات أو التقديرات المجردة في غياب قاعدة بيانات قومية متكاملة تشخص الواقع الاقتصادي والاجتماعي بدقة وتتنبأ بالارتدادات قبل حدوثها.

ولأن الخروج من هذا النفق المظلم يستوجب الانتقال الفوري من نمط “إدارة الأزمة” إلى “التخطيط بالرؤية”، فإن وضع خارطة طريق لإعادة بناء عقل الدولة يصبح فرض عين استراتيجياً. إذ يقتضي هذا التحول حتمية تفعيل اامجلس الأعلى للتخطيط

الاستراتيجي والدراسات المستقبلية ليكون مستقلاً عن التجاذبات السياسية المتغيرة، ويضم كفاءات وطنية استثنائية تتولى رسم السياسات العامة لمدى يستشرف العقود لا السنوات، وتكون قراراته ملزمة للحكومات المتعاقبة. كما يتطلب هذا المسار إرساء مفهوم “السياسات القائمة على الأدلة”، بحيث لا يُمرر

أي قرار اقتصادي أو خدمي أو اجتماعي كلي إلا بعد خضوعه لدراسات أثر وشبكات محاكاة علمية تجنب البلاد الهزات الارتجالية، مع إعادة صياغة المعايير القيادية للجهاز التنفيذي ليتحول من الإدارة بالانطباع إلى الإدارة بالأهداف والنتائج وفق مؤشرات أداء صارمة تجمع بين الفهم الفني والرؤية الوطنية الشاملة.

إن غاية هذا التغيير البنيوي تتجلى في كيفية تحويل الميزات النسبية والأصول الاستراتيجية النادرة التي يزخر بها السودان—من أراضٍ زراعية وموارد مائية وموقع جيو-سياسي ممتاز وعنصر بشري شاب—من

إمكانيات عاطلة إلى منتجات ذات قيمة مضافة عبر برامج طموحة وقابلة للتطبيق. ولا يتأتى ذلك إلا بوجود خطة تواصل حكومي قائمة على الشفافية وتمليك الحقائق، تشرح التحديات بالأرقام وتوضح كلفة الخيارات المتخذة، مما يعيد ترميم جدار الثقة المفقود ويجعل المواطن شريكاً واعياً في عملية البناء

وتحمل أعباء المرحلة. إن الدول لا تنهض بالصدف، ولا تُدار أزماتها بالأمنيات والحلول الترقيعية، ولكن بالرؤية النافذة والعمل المؤسسي المنسق؛ فالخطوة الأولى نحو تعافي الوطن تبدأ من الإجابة عن هذا السؤال المبدئي: *من يفكر للحكومة؟*

ومتى تُسلم قياد القرارات لعقول العلماء وخبراء الاستراتيجية لتصاغ المقدرات الوطنية بحكمة، وتُترجم الموارد إلى واقع ملموس يبعث الأمل ويؤمن المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى