مقالات الظهيرة

خالد أمين زكي يكتب… خديعة “المحور الثالث”.. هل تُرمم الجغرافيا “ثقوب” التاريخ؟

​في لحظة سيولة إقليمية نادرة، يطل علينا “الثعلب” بنيامين نتنياهو بمصطلح جديد يضاف إلى قاموس الصراع: “المحور الثالث”. تصريح لم يكن مجرد توصيف سياسي عابر، بل هو محاولة لـ “نحت” واقع إقليمي جديد، يتجاوز ثنائية (السنة والشيعة) التي استهلكت طاقة المنطقة لعقود، ليزرع في قلبها “محوراً” تقوده المصالح البراجماتية وتؤطره الهيمنة التكنولوجية.

​إن المتأمل في “خباثة” هذا الطرح يدرك أن نتنياهو يمارس نوعاً من “التلاعب بالألفاظ” لشرعنة وجود إسرائيل كقائد لكتلة ثالثة؛ فهو حين يصف المحور الشيعي بـ “المنهار”، فإنه يستبق الزمن ليحول التكتيك العسكري إلى حقيقة سياسية ناجزة، وحين يتحدث عن المحور السني ككتلة “متشكلة”، فإنه يحاول استدراج هذا العمق العربي إلى خانة “الحليف الوظيفي”.

​التكنيكل العالي في “الهندسة النتنياهية”:

خلف الستار السياسي، يختبئ مشروع “سطو” تقني متكامل يسعى لملء ما أسميناه سابقاً “الثقب الكبير” (Big Hole) في جسد الهوية الإقليمية، وذلك عبر:

​هندسة “السيادة السيبرانية”: بجعل منظومات الدفاع الجوي والذكاء الاصطناعي الإسرائيلي هي “الدماغ المشغل” لأمن المنطقة، مما يعني تقنياً رهن قرار الحلفاء بـ “كود الوصول” (Access Code) الذي تمتلكه تل أبيب وحدها.

​طي مسافات اللوجستيك: عبر مشروعات الربط “التكنو-اقتصادية” التي تحول الجغرافيا العربية إلى مجرد “ممرات طاقة ومعلومات” تخدم مركزية الموانئ الإسرائيلية.

​إحلال “الهوية الوظيفية”: استبدال العمق الحضاري القومي بـ “بروتوكول تعاون” أمني، يتحول فيه الشريك من “صانع مصير” إلى “مستخدم” (User) في نظام إقليمي مصمم لخدمة بقاء المحتل.

​إننا أمام محاولة “تحديث” (Update) قسرية لخارطة المنطقة، تقفز فوق “الإنسان” وقضاياه العادلة. وهنا تداهمني “نوستالجيا” الوعي الرصين؛ تلك التي تذكرنا بأن التحالفات التي لا تتنفس برئة الشعوب تظل “قصوراً رملية” تذروها رياح الحقيقة.

​إن “الريادة” و”الصدارة” لا تُمنح لمن يجيد الرقص على الأنقاض أو التلاعب بالتناقضات، بل لمن يمد الجسور بصدق دون السطو على حقوق الآخرين. فهل تبتلع المحاور الجديدة “الرصيد القومي”، أم أن وعي المفكرين سيظل هو الصخرة التي تتحطم عليها أوهام “المحور الثالث”؟

​إن الاستقرار الحقيقي لا يبدأ من “الخوف” من الآخر، بل من “العدالة” للذات. وطرح نتنياهو ليس إلا محاولة بائسة لترميم التاريخ المثقوب بوعود تكنولوجية زائفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى