مقالات الظهيرة

الشراكات الذكية: التنمية في السودان تتحقق بالاستقرار…. من بندقية الحسم إلى معول البناء: *قراءة استشرافية في اقتصاد ما بعد الصراع

دكتور : محمد عوض محمد متولي

*المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

_______________

*تمهيد*

لا يمكن فصل معادلة التنمية في السودان عن معادلة الاستقرار. فالتاريخ الاقتصادي للدول النامية يعلمنا أن رأس المال يهرب من الضجيج، وأن المستثمر لا يسأل عن حجم الموارد قبل أن يسأل عن درجة الأمان، وأن المشروعات الكبرى لا تقوم على أرض متحركة. ولذلك فإن الحديث عن شراكات ذكية في السودان يبدأ من نقطة مركزية وحيدة: الاستقرار السياسي والمجتمعي والأمني هو البنية التحتية الأولى لأي عملية تنمية. ومن هنا تأتي أهمية الحوار السوداني السوداني ليس بوصفه ترفاً سياسياً، بل بوصفه أداة اقتصادية حادة لحسم الخلافات ومعالجتها وتحويل الطاقة المهدورة في الصراع إلى طاقة منتجة في البناء.

 

*أولاً: الاستقرار كمتغير اقتصادي حاسم وليس كشعار سياسي وتكلفة الفرصة البديلة*

عندما نتحدث بلغة الأرقام فإن كلفة عدم الاستقرار في السودان خلال السنوات الثلاث الماضية قدرت بأكثر من 26 مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي وتقارير صندوق النقد الدولي لعام 2025م. هذا الرقم يمثل خسائر مباشرة في الناتج المحلي الإجمالي وتهريب للمدخرات وخروج للاستثمارات وتدمير للبنية التحتية. ووفقاً لنموذج المحاكاة الذي أجراه مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات، فإن استمرار حالة عدم الاستقرار لمدة 12 شهراً إضافياً سيكلف الاقتصاد السوداني 7.5 مليار دولار أخرى من الناتج الضائع، بينما كل 6 أشهر استقرار تضيف 2.3 مليار دولار وتوفر 200 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة. في المقابل، تشير تجارب الدول التي خرجت من الصراع إلى أن كل نقطة مئوية واحدة في تحسن مؤشر الاستقرار السياسي ترفع معدل النمو بنسبة تتراوح بين 1.2% و 1.8% في العام التالي.

وفي حالة السودان الذي يمتلك موارد مقدرة تفوق 200 مليار دولار من الثروة المعدنية و 220 مليون فدان صالحة للزراعة و 140 مليون رأس من الثروة الحيوانية، فإن تحويل 10% فقط من هذه الموارد إلى دورة إنتاج فعلية يتطلب قبل كل شيء بيئة مستقرة. الاستقرار هنا يعني قابلية التنبؤ. والمستثمر المحلي والأجنبي لا يطلب ضمانات ربح، وإنما يطلب ضمانات استمرار. يريد أن يعرف أن الطريق الذي سينقل به منتجه لن يغلق غداً، وأن العقد الذي سيوقعه لن تلغيه أزمة، وأن السياسة النقدية لن تنهار بقرار مفاجئ.

 

*ثانياً: الحوار السوداني السوداني كآلية لإدارة الخلاف وتحويله إلى شراكة إنتاج*

الخلاف في السودان ليس عيباً. العيب هو إدارة الخلاف بمنطق الإقصاء. والحوار السوداني السوداني هو الإطار العقلاني الوحيد القادر على تحويل الخلاف من هدم إلى بناء. لماذا؟ لأن أي اتفاق اقتصادي كبير يحتاج إلى إجماع وطني حول ثلاثة ملفات لا يمكن تجاوزها: أولها أولويات الإنفاق العام وثانيها إدارة الموارد الطبيعية وثالثها سياسات التجارة الخارجية.

بدون توافق على هذه الملفات فإن أي حكومة ستجد نفسها أمام احتجاجات واعتصامات وإضرابات تعيدها إلى نقطة الصفر. الحوار يحل هذا الإشكال عبر مبدأين. المبدأ الأول هو الاعتراف بأن التنمية غير متساوية الأثر جغرافياً.

ولذلك لابد من صيغة لتوزيع عادل لعائدات الموارد. والمبدأ الثاني هو الاتفاق على سقف زمني للانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التنمية. عندما يتفق الفرقاء على أن الأولوية القصوى للعامين القادمين هي إعادة تأهيل طريق الصادرات وتأمينه وتشغيل الموانئ وربط مناطق الإنتاج بالأسواق، فإنهم بذلك يضعون الاقتصاد فوق الخلاف السياسي. وهذا بالضبط ما حدث في تجارب رواندا وإثيوبيا وكولومبيا حيث سبق الاتفاق السياسي المحدود الانطلاقة الاقتصادية الكبيرة.

 

*ثالثاً: ملامح الشراكات الذكية في بيئة ما بعد الصراع ونموذج رواندا المقارن*

الشراكة الذكية ليست عقداً بين الحكومة والقطاع الخاص فقط. هي منظومة متكاملة تقوم على أربعة أضلاع. الضلع الأول هو الدولة بوصفها منظماً ومشرعاً وضامناً للأمن. وهنا يبرز دور *القوات المسلحة السودانية* في تأمين الممرات والطرق والحدود، لأن أي مشروع لوجستي أو صناعي بلا أمن هو مشروع خاسر. الضلع الثاني هو القطاع الخاص الوطني الذي يملك المعرفة بالسوق والقدرة على التوظيف والتشغيل. الضلع الثالث هو شركاء التنمية الدوليين والبنوك الإنمائية الذين يملكون التمويل طويل الأجل والخبرة التقنية. الضلع الرابع هو المجتمعات المحلية التي تمتلك الأرض والعمالة والمعرفة التقليدية. الذكاء في هذه الشراكة يكمن في توزيع المخاطر والعوائد بشكل عادل. مثال عملي: مشروع لإنشاء 5 موانئ جافة على طريق الصادرات بتكلفة تقديرية 400 مليون دولار. الدولة توفر الأرض وتأمن الطريق، القطاع الخاص يدير ويشغل، بنك التنمية الأفريقي يمول 60% من التكلفة، والمجتمعات المحلية تحصل على 20% من الوظائف و 5% من الأرباح لصندوق تنمية محلي.

هذه الصيغة تحول المشروع من استثمار تقليدي إلى مشروع استقرار. والتجربة الرواندية 1998-2005م هي الأقرب لنا دلالة. بعد الإبادة، تبنت رواندا ميثاقاً وطنياً للاستقرار مدته 3 سنوات، وأنشأت مجلساً للشراكات الذكية. النتيجة: قفز النمو من -5% إلى +8% سنوياً وجذبت 1.4 مليار دولار استثمار مباشر. السودان يملك موارد أكبر 10 مرات من رواندا، ما يعني أن سقف طموحنا يجب أن يكون أعلى.

 

*رابعاً: قراءة بالأرقام في أثر الاستقرار على المؤشرات الاقتصادية*

دعونا نقترب من الأرقام المحدثة. وفق بيانات وزارة المالية وبنك السودان المركزي لنهاية الربع الثاني من 2026م، فإن فتح وتأمين طريق الصادرات القومي قد أدى إلى خفض متوسط كلفة نقل الطن من 1180 دولاراً إلى 540 دولاراً بنسبة انخفاض 54%. وارتفعت الصادرات غير النفطية بنسبة 38% خلال 90 يوماً فقط لتصل إلى 1.1 مليار دولار. وانخفض معدل التضخم من 112% إلى 98% في نفس الفترة. وتشير تقديرات مركز الخبراء للدراسات الإنمائية إلى أن كل شهر استقرار إضافي يضيف 150 مليون دولار إلى حصيلة النقد الأجنبي ويوفر 35 ألف فرصة عمل مباشرة في قطاعات النقل والزراعة والصناعات التحويلية. وعلى مستوى الثقة، ارتفع مؤشر ثقة المستثمرين المحليين من 28 نقطة إلى 51 نقطة وفق مسح أجراه اتحاد أصحاب العمل في يونيو 2026م. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، هي دليل على أن الاقتصاد السوداني مرن وقادر على القفز عندما تتوفر له بيئة مستقرة.

 

*خامساً: خارطة طريق لتحويل الحوار إلى نتائج اقتصادية ملموسة*

لكي لا يظل الحوار حبراً على ورق، لابد من ربطه بمخرجات اقتصادية محددة وفي زمن محدد. التوصية الأولى هي إنشاء “المجلس القومي للشراكات الذكية والاستقرار” برئاسة مجلس السيادة وعضوية وزارات المالية والتجارة والصناعة والنقل والقوات المسلحة السودانية والقطاع الخاص. مهمته الأساسية هي اعتماد 10 مشروعات كبرى ذات أثر توظيفي وتصديري خلال 6 أشهر. التوصية الثانية هي توقيع “ميثاق وطني للاستقرار الاقتصادي” تلتزم فيه كل القوى السياسية بعدم تعطيل المشروعات القومية لمدة 24 شهراً. التوصية الثالثة هي إطلاق صندوق سيادي للاستقرار برأس مال أولي 500 مليون دولار لتمويل البنية التحتية في مناطق الإنتاج.

التوصية الرابعة هي ربط 30% من عائدات الصادر بتنمية المجتمعات المحلية مباشرة لقطع الطريق على خطاب التهميش. التوصية الخامسة هي إطلاق منصة رقمية واحدة لتتبع حركة الصادر والوارد في زمن حقي لخفض الفساد وزيادة الشفافية.

 

*خاتمة تنفيذية: 3 قرارات عاجلة لكتابة تاريخ الغد*

إن السودان يقف اليوم على مفترق طرق تاريخي. أمامه خياران لا ثالث لهما. الخيار الأول هو الاستمرار في إدارة الخلاف بمنطق الصفر، والنتيجة معروفة: مزيد من التدهور وخروج الأجيال الشابة ومزيد من الفقر. والخيار الثاني هو اعتماد منطق الشراكات الذكية المبني على الاستقرار والحوار السوداني السوداني، والنتيجة أيضاً معروفة: إعادة إطلاق الاقتصاد وتحويل موارد السودان الهائلة إلى وظائف ودخل وتصدير. إن التنمية لا تنزل بالمظلات، وهي لا تتحقق بالشعارات.

التنمية تتحقق عندما يجلس السودانيون مع بعضهم ويتفقون على أن الوطن أكبر من الحزب، وأن الرغيف أهم من الخطاب، وأن مستقبل الطفل أهم من مكاسب اللحظة.

وعليه، فإن أول 3 قرارات يجب اتخاذها خلال 30 يوماً هي: الأول إصدار قرار سيادي بإنشاء المجلس القومي للشراكات الذكية.

الثاني توقيع ميثاق شرف اقتصادي بين كل القوى السياسية بعدم المساس بالمشروعات القومية. الثالث إطلاق صندوق الاستقرار بـ 500 مليون دولار من عائدات الذهب والصمغ.

من يتخذ هذه القرارات اليوم، يكتب تاريخ الغد. عندها فقط تتحول الشراكات من عقود على الورق إلى مصانع تعمل وموانئ تشحن وحقول تنتج. وهذا هو جوهر الرسالة: الاستقرار ليس نقيض السياسة، الاستقرار هو السياسة الاقتصادية الأذكى التي يمكن أن يتبناها السودان اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى