مقالات الظهيرة

السودان يصنع مجده: من تصدير التراب إلى تصدير القيمة.. خارطة طريق لتحويل الموارد إلى دولة منتجة وتشغيل مليون شاب

بقلم: الدكتور محمد عوض محمد متولي – المحلل والاكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

*أغسطس 2026م*

_______________

 

*”وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”*

 

نستقبل فجر جديد والوطن يقف على عتبة مفصل تاريخي لا يشبه ما مضى. فقد أثبت شعبنا في ميادين الصمود والكرامة أنه قادر على أن يصون الأرض بالبندقية، وحان الوقت لنثبت في ميادين البناء والتنمية أنه قادر على أن يصون الكرامة بالصناعة. إن أي حديث عن سيادة وطنية مكتملة واستقلال قرار حقيقي في مرحلة التعافي سيظل ناقصاً ما دمنا نبيع مواردنا في صورتها الأولى ثم نعود لاستيرادها وقد تضاعف ثمنها أضعافاً. لا تبني الأمم العظيمة أمجادها ببيع القطن بثمن بخس ثم شراء المنسوجات بأضعافه، ولا تصنع هيبتها بتصدير الماشية على قوائمها لتعود إليها لحوماً معلبة وجلوداً مصنعة بأسعار خيالية. إن جوهر المعركة اليوم ليس في من يملك المورد، بل في من يملك القرار الذي يحول هذا المورد إلى قيمة مضافة. معركتنا هي معركة تحويل ترابنا وعرقنا وعقول أبنائنا إلى منتج نهائي يحمل ختم “صنع في السودان”

*Made in Sudan*

ويدخل أسواق العالم من أوسع أبوابها.

 

إن إعادة تشكيل الوعي العام تبدأ من حقيقة يجب أن نعلنها بلا مواربة. الفقر ليس قضاء وقدراً، والتبعية ليست قدراً محتوماً. الفقر هو الحصيلة الحتمية لاقتصاد تنموى يصدر الطماطم ويستورد الصلصة، ويصدر السمسم ويستورد الزيت، ويصدر الجلد الخام ويستورد الحذاء. ولذلك فإن الخطوة الأولى نحو التحرر الاقتصادي هي إعلان نهاية عهد الاقتصاد الرعوي التقليدي والانتقال الفوري إلى فضاء التصنيع الشامل الذي يربط بين نعمة الأرض وساعد الشاب وعقل العالم في منظومة واحدة متكاملة.

 

حتى ندرك حجم الفرصة التي بين أيدينا يجب أن نواجه الأرقام بعيون الخبير لا بعيون العاطفة. فالسودان وفقاً للبيانات الدولية الرصينة يمتلك ما يقارب مائتي مليون هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة، والمستغل منها لا يتجاوز 16% فقط، مما يعني أن لدينا احتياطياً زراعياً يكفي لإطعام أضعاف سكاننا الحاليين. كما تقدر الثروة الحيوانية بما يتراوح بين 90 إلى 120 مليون رأس، وهو رقم وحده كفيل بإقامة صناعات جلدية ودوائية وغذائية تضاهي اقتصادات دول بأكملها. لكن الرقم وحده لا يصنع نهضة. المنطق الاقتصادي هو الفيصل. ففي أي صناعة في العالم تمثل تكلفة المادة الخام ما بين 70% إلى 90% من التكلفة الكلية للمنتج النهائي. وبما أن هذه المواد الخام متوفرة لدينا محلياً وبأسعار تنافسية منخفضة، فإن أي مشروع تحويلي يقام على أرض السودان يبدأ وهو يحمل في جيناته ميزة تنافسية عالمية. يضاف إلى ذلك موقعنا الجغرافي الفريد الذي يجعلنا بوابة طبيعية لأسواق الكوميسا والشرق الأوسط والخليج وأوروبا. إذن المعضلة لم تكن يوماً في شح الموارد، بل كانت في غياب الرؤية التي تحول هذه الموارد من سلع أولية تباع على رصيف الميناء إلى منتجات نهائية تدر مليارات الدولارات وتشغل مئات الآلاف.

 

إن أي نهضة صناعية بلا طاقة مستقرة ورخيصة هي سراب. لقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن الاعتماد على الشبكة القومية التقليدية أو على الوقود المستورد يمثل قيداً يخنق أي مشروع إنتاجي في مهده. والمخرج الاستراتيجي العلمي يكمن في قرار جريء يتمثل في توطين صناعة الطاقة المتجددة داخل السودان. يجب أن ننتقل من مرحلة استيراد ألواح الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح إلى مرحلة تصنيعها بأيدي مهندسينا وفنيينا وخريجي جامعاتنا. تخيل مجمعاً صناعياً زراعياً في الجزيرة أو القضارف أو نهر النيل يعمل بكامل طاقته على طاقة شمسية منتجة محلياً. هذا يعني خفض تكلفة التشغيل بما لا يقل عن 60%، ويعني استقراراً إنتاجياً بعيداً عن القطوعات، ويعني منتجاً سودانياً قادراً على غزو الأسواق الإقليمية بثقة. هذه الخطوة لن تخدم المصنع وحده، بل ستؤس لصناعة جديدة بالكامل في مجال الألواح والبطاريات والأنظمة الذكية، وستوفر آلاف فرص العمل للشباب في الهندسة والتركيب والصيانة، وستمنح اقتصادنا استقلالية حقيقية من الوقود المستورد.

 

لكن لا يمكن لأي رؤية عظيمة أن ترى النور في بيئة مخنوقة. إن العدو الحقيقي لأي ثورة صناعية ليس نقص التمويل فقط، بل هو الفساد الإداري والمالي والجبايات العشوائية والرسوم غير القانونية التي تفرض على حركة السلع والمنتجات بين الولايات. هذه التعقيدات البيروقراطية تمثل خنجراً مسموماً في ظهر المنتج الوطني وتجهض حماس الشاب قبل أن يبدأ وتدفع المستثمر للهرب قبل أن يضع حجر الأساس. لذلك فإن المرحلة القادمة تتطلب حزمة إصلاحات حاسمة لا تحتمل المساومة. نحتاج إلى منظومة حوكمة شفافة قائمة على مبدأ النافذة الواحدة في كل ولاية، وإلى إلغاء كامل لرسوم العبور بين الولايات، وإلى قانون استثمار واضح يحمي المنتج الوطني ويعاقب المحتكر. يجب أن يتحول المال الذي يدفعه الشاب اليوم في الجبايات إلى ماكينة وإلى ثلاجة وإلى خط تعبئة، وأن يصل الدعم والتمويل مباشرة إلى مستحقيه دون وسطاء، وأن يشعر كل صاحب مشروع أن الدولة شريك حقيقي له لا خصم عليه.

 

التاريخ يقدم لنا شواهد لا تقبل الجدل. فدولة مثل فيتنام خرجت من أتون حروب مدمرة وقررت أن لا تبيع أرزها وبنها في صورته الخام، بل حولته إلى صناعات غذائية معلبة ومصدرة بعلامات تجارية عالمية، فقفز اقتصادها إلى مصاف الدول الصاعدة ووفرت ملايين فرص العمل لشبابها. وكذلك الجارة إثيوبيا التي أدركت أن تصدير الماشية حية هو نزيف للثروة، فأسست مدناً صناعية متكاملة للحوم والمصنوعات الجلدية والجيلاتين الطبي، وضاعفت عائداتها من نفس الرأس الذي كانت تبيعه بخسارة. الدرس واضح وجلي. الثروة وحدها لا تصنع الأمم، وإنما الذي يصنعها هو العقل الذي يحول الخام إلى قيمة، والإرادة التي تصر على أن يتم هذا التحول داخل حدود الوطن وبسواعد أبنائه.

 

وعليه فإن خارطة الطريق العملية تقوم على مبدأ التوزيع الذكي للمشاريع وفق الميزة النسبية لكل ولاية. فالسودان قارة مصغرة ولا يجوز أن نكرر التجربة نفسها في كل بقعة. يمكن للجزيرة وسنار أن تتحولا إلى عاصمة قومية لصناعة تعليب الخضروات والصلصات والعصائر مستفيدتين من مشروع الجزيرة ومياه النيلين. ويمكن للقضارف وكسلا أن تقودا ثورة في عصر السمسم وتكرير الزيوت النباتية وتعبئتها بمواصفات عالمية. ويمكن للشمالية ونهر النيل أن تتخصصا في صناعات التمور وتجفيف البصل والخضروات بأساليب حديثة. أما ولايات كردفان ودارفور فهي مؤهلة بامتياز لأن تكون قلب صناعة اللحوم والمصنوعات الجلدية والألبان ومشتقاتها مستفيدة من الثروة الحيوانية الضخمة. هذا التخصص يجب أن يسنده جسر علمي متين بين المصنع والجامعة، فلا إنتاج بجودة عالمية دون مركز بحث يطور المنتج، ولا تصدير دون شهادة من هيئة المواصفات والمقاييس. وبهذه الطريقة ننقل الشاب السوداني من مقاعد المتفرجين إلى قلب خط الإنتاج، ونحول طاقته من استهلاك سلبي إلى فعل إنتاجي يصنع الفارق ويحفظ كرامته.

 

إن أكبر مورد نملكه ليس الأرض ولا الماء، بل هو الشباب. وأكبر جريمة نرتكبها هي أن نترك ملايين الخريجين بلا عمل بينما مصانعنا خاوية.

الصناعات التحويلية هي الإجابة العلمية الوحيدة على سؤال البطالة. فمصنع تعليب متوسط واحد قادر على تشغيل 500 شاب بصورة مباشرة و2000 بصورة غير مباشرة في الزراعة والنقل والتعبئة والتسويق. لذلك يجب أن يرتبط كل مشروع تحويلي بعقد تشغيل واضح للخريجين. مهندس الأغذية في المعمل، وفني الطاقة الشمسية على سطح المصنع، وخريج الإدارة في التسويق، وخريج الزراعة في الحقل التعاقدي الذي يغذي المصنع. بهذا نربط الجامعة بالسوق ونحول الشهادة من ورقة على الحائط إلى أداة إنتاج حقيقية.

 

يا رفقاء البناء في كل ربوع سوداننا الصامد، إن الأوطان لا تبنى بالشعارات ولا بالأمنيات العابرة. تبنى بقرار وطني شجاع يقول كفى لتصدير الخام، ونعم لتصنيع القيمة. تبنى بإرادة سياسية تحمي المنتج، وبعقل علمي يطوره، وبساعد شاب ينفذه. لقد أثبتت التجارب من فيتنام إلى إثيوبيا واندونسيا أن العقول والإرادة هي المحرك الحقيقي للثروة وليست الموارد وحدها. ونحن نملك الاثنين معاً. نملك الأرض والماء والثروة ونملك شباباً متعلماً واعياً وجاهزاً للانطلاق.

 

إن المطلوب الآن هو إعلان “عام الصناعات التحويلية” والبدء الفوري في إطلاق خمسة مجمعات صناعية نموذجية في خمس ولايات خلال 18 شهراً. فالنجاح في مصنع واحد سيكون الشرارة التي تشعل مائة مصنع. فلنعلنها صريحة ومدوية. لن نبيع ترابنا، سنصنعه. ولن نصدر عرقنا، سنستثمره. ولن نستورد كرامتنا، سننتجها بأيدينا. السودان قادر. والشباب قادر. والمستقبل لنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى