أَمَا كَفَى يَا مَجْلِسَ الأَمْنِ الدُّوَلِيِّ ذَبْحُ العَدَالَةِ؟ تحية للسفير الحارث إدريس… حين تصبح الكلمة رصاصةً في صدر الظلم!!

بقلم: الأستاذ أبوعبيدة أحمد علي
بسم الله الرحمن الرحيم
تحية إجلال وتقدير للسفير الحارث إدريس الحارث، مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، على مداخلته أمام مجلس الأمن؛ فقد جاءت كالرصاصة التي أصابت قلب الحجة الواهية، وأيقظت شيئاً من الضمير العالمي الذي أنهكته ازدواجية المعايير.
لقد تحدث الرجل من موقع الدولة التي تدافع عن سيادتها، ومن موقع الدبلوماسي الذي يعرف أن الكلمات في قاعات مجلس الأمن ليست خطباً للاستهلاك، وإنما وثائق سياسية وقانونية ستقرأها الأجيال قبل أن تقرأها الدول.
وكان في خطابه درس بليغ لمن يرفعون راية العدالة الدولية، ثم ينسون أن العدالة لا تتجزأ، وأن سيادة الدول ليست امتيازاً لدولة دون أخرى.
لقد كان السفير الحارث، بحق، حارثاً لمالنا ودمنا وحقنا في مؤسسات يفترض أنها محايدة.
مجلس الأمن… هل ما زال مجلساً للأمن؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، لا على السودان وحده، وإنما على المجتمع الدولي بأسره:
أما كفى يا مجلس الأمن الدولي ذبح العدالة؟
كيف يمكن لمجلس أُنشئ أساساً لحفظ السلم والأمن الدوليين أن يتعامل مع نتائج الحرب ويتجاهل بعض أسباب استمرارها؟
وكيف يمكن أن يُطرح توسيع حظر السلاح ليشمل كامل الأراضي السودانية، بينما تؤكد المداخلة السودانية أن المشكلة الأساسية ليست في ضيق نطاق القرار 1591، وإنما في ضعف تنفيذ الحظر القائم وملاحقة من يخترقونه؟
هنا تكمن قوة خطاب السفير الحارث.
فهو لم يقل إن السودان يريد الإفلات من المساءلة، ولم يطالب بإلغاء الآليات الدولية، بل قال بوضوح إن المطلوب هو تطبيق القانون القائم، ومحاسبة من يخرقونه، ووقف مصادر الإمداد التي تطيل أمد الحرب.
وهذه، في جوهرها، ليست مطالبة سودانية فحسب؛ إنها مطالبة منطقية يفترض أن تكون في صميم عمل مجلس الأمن.
لماذا يُعاقَب الضحية ويُترك طريق الإمداد؟
أخطر ما أثاره السفير الحارث هو المفارقة التي لا يمكن تجاهلها.
إذا كان مشروع القرار نفسه يعترف بأن تدفق الأسلحة والدعم الخارجي إلى أطراف الحرب عاملٌ في إطالة أمد النزاع، فلماذا لا يبدأ المجلس من السؤال الأوضح:
من أين تأتي الأسلحة؟ وكيف تصل؟ ومن يموّلها؟ ومن ينقلها؟ ومن يوفر لها طرق العبور؟
إن وقف الحرب لا يبدأ دائماً من أرض المعركة.
أحياناً يكفي أن تُغلق الطرق التي تغذيها.
فالطائرة المسيّرة لا تولد في سماء دارفور، والسلاح لا يصل إلى الميدان من العدم، والذخيرة لا تعبر الحدود بلا طرق وإمدادات وتمويل وشبكات نقل.
ومن هنا فإن العدالة الحقيقية تقتضي تتبع سلسلة الإمداد كاملة، بدلاً من الاكتفاء بفرض قيود جديدة على الدولة السودانية ومؤسساتها.
السيادة ليست كلمةً منسية في قاموس القانون الدولي
لقد أصاب السفير الحارث حين وضع القوات المسلحة السودانية في إطارها القانوني والمؤسسي باعتبارها مؤسسة الدولة العسكرية، لا جماعة مسلحة عابرة للحدود.
وهذه نقطة جوهرية.
فالخلط بين الجيش الوطني للدولة وبين الجماعات المسلحة غير الحكومية يفضي إلى نتيجة خطيرة: مساواة المؤسسة التي يفترض أنها مسؤولة عن حماية الدولة والمواطنين، بكيانات تحمل السلاح خارج مؤسسات الدولة.
إن السودان، كأي دولة ذات سيادة، يمتلك حقاً أصيلاً في حماية أراضيه ومواطنيه والدفاع عن حدوده.
وإذا كانت هناك انتهاكات ارتكبتها أي جهة، فإن الطريق الصحيح هو التحقيق والمساءلة وفق القانون، لا إسقاط الفوارق القانونية والمؤسسية بين الدولة والجماعات المسلحة.
أين العدالة من انتهاك الحدود والمجال الجوي؟
وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إلحاحاً:
إذا كانت هناك، وفق ما تشير إليه تقارير ودراسات مفتوحة المصدر وتحليلات تتبع جوي وأقمار صناعية، مسارات لنقل طائرات أو معدات أو أسلحة عبر دول ومناطق إقليمية وصولاً إلى مسارح القتال في السودان، فلماذا لا يكون هذا الملف في مقدمة أجندة مجلس الأمن؟
إن السودان لا يطلب المستحيل.
نحن نطلب فقط أن تُطبَّق القاعدة ذاتها على الجميع.
إذا كان السلاح الذي يدخل السودان مشكلة، فطريق دخوله مشكلة أيضاً.
وإذا كان تمويل الحرب مشكلة، فمصادر تمويلها مشكلة.
وإذا كان تشغيل المسيّرات من أراضي دول أخرى يهدد الأمن الإقليمي، فإن الدول التي تسمح باستخدام أراضيها أو مجالها الجوي في عمليات الإمداد يجب أن تكون موضع تحقيق ومساءلة وفق الأدلة والقانون.
أما أن تتم محاسبة طرف واحد بينما تُغض الطرف عن الأطراف التي تمد الحرب بأسباب الاستمرار، فذلك ليس عدلاً.
روسيا… والصين… ومصر والسعودية
وفي هذه اللحظة التاريخية، لا بد من تسجيل كلمة وفاء للدول التي عبّرت عن مواقف تستحق أن تُقرأ بعناية.
شكراً روسيا الاتحادية؛ حين تحدث مندوبها دفاعاً عن منطق مختلف في التعامل مع الأزمة، كان صوتاً يستحق أن يُسمع.
وشكراً للصين التي ظلت حاضرة في المواقف المتعلقة باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها وعدم تحويل المؤسسات الدولية إلى أدوات للضغط السياسي.
وكل التحية إلى المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، البلدين اللذين تربطهما بالسودان وشعبه علاقات تاريخية وجغرافية وإنسانية عميقة.
مصر ليست مجرد دولة جارة؛ إنها أخت السودان التي تشاركنا النيل والتاريخ والمصير.
والمملكة العربية السعودية ليست بعيدة عن السودان وشعبه، وقد ظل السودان حاضراً في وجدانها وعلاقاتها السياسية والإنسانية.
وفي عالم تتصارع فيه المصالح، تبقى مواقف الدول التي تدعو إلى الحل السياسي واحترام سيادة السودان ووحدته محل تقدير الشعب السوداني.
السفير الحارث… درسٌ لمدّعي العدالة الدولية
لقد قدم السفير الحارث إدريس في تلك الجلسة درساً مهماً:
العدالة ليست أن ترى نصف الحقيقة.
العدالة أن تسأل عن الضحية والجاني، وعن السلاح ومصدره، وعن التمويل ومساره، وعن الحدود وانتهاكها، وعن الدولة والجماعة المسلحة، وعن المدنيين الذين يدفعون الثمن.
والعدالة ليست أن تُنشئ قراراً جديداً كلما عجزت عن تنفيذ القرار القديم.
بل أن تجعل قراراتك قابلة للتنفيذ، وأن تطبقها على الجميع.
إن مجلس الأمن يستطيع، إذا امتلك الإرادة السياسية، أن يضغط باتجاه وقف تدفق السلاح والتمويل إلى الجماعات المسلحة، وأن يطالب الدول باحترام حدود السودان، وأن يدعم حماية المدنيين، وأن يدفع الأطراف نحو تسوية سياسية تحفظ وحدة البلاد.
فلماذا لا يفعل؟
لماذا يستطيع المجتمع الدولي أن يفرض العقوبات حين يريد، ويعجز عن وقف خطوط الإمداد حين يتعلق الأمر بالسودان؟
لماذا تصبح السيادة مبدأً مقدساً في مكان، ثم تتحول إلى تفصيل ثانوي في مكان آخر؟
التاريخ لا يرحم
قد تستطيع السياسة أن تؤجل الحقيقة.
وقد تستطيع المصالح أن تصمت بعض الأصوات.
وقد تستطيع التحالفات أن تعطل بعض القرارات.
لكن التاريخ لا ينسى.
سيأتي يوم تُفتح فيه سجلات هذه الحرب، وتُراجع المواقف، وتُقرأ محاضر مجلس الأمن، وتُقارن الكلمات بالأفعال.
وسيُسأل الجميع:
من وقف مع الدولة؟
ومن وقف مع تفكيكها؟
من طالب بوقف الحرب؟
ومن غذّاها بالسلاح؟
ومن دافع عن المدنيين؟
ومن اكتفى بإصدار البيانات؟
وعندها لن تنفع الأقنعة الدبلوماسية.
السودان لا يريد امتيازاً… يريد عدالة
السودان لا يطلب من العالم أن يمنحه حصانة.
ولا يطلب إسكات النقد.
ولا يطلب تجاهل الانتهاكات.
إنما يطلب شيئاً واحداً:
طبّقوا القانون على الجميع.
احموا المدنيين.
أوقفوا تدفق السلاح غير المشروع.
حاسبوا من يخرق الحظر.
احترموا الحدود الدولية.
صونوا سيادة السودان ووحدته.
ولا تجعلوا من مجلس الأمن ساحةً تنتصر فيها إرادة الأقوى على حق الأضعف.
فالسودان دولةٌ لها شعب، وحدود، وسيادة، ومؤسسات.
وشعب السودان الذي تحمل الحرب والنزوح والقتل والدمار لا يحتاج إلى مزيد من القرارات التي تعقد أزمته؛ بل يحتاج إلى إرادة دولية صادقة توقف الحرب من منابعها، لا أن تعاقب الدولة على محاولتها البقاء.
وفي الختام، نقول للسفير الحارث إدريس:
لقد كنت في تلك القاعة صوتاً للسودان، وحارساً لحجته، ومدافعاً عن حق دولته في السيادة.
قلتَ ما ينبغي أن يُقال، ووضعتَ مجلس الأمن أمام مرآته.
وكانت كلماتك بالفعل كالرصاصة التي قتلت أحلام الظلم والتآمر، وأيقظت الضمير العالمي المغيب.
فامضِ في طريقك.
فإن للدبلوماسية رجالها، وللوطن رجاله، وللحقيقة حراسها.
والتاريخ لا يرحم… والعدالة، وإن تأخرت، لا تموت.
أبوعبيدة أحمد علي



