ياسر محمد محمود البشر يكتب في (شوكة حوت)… دايــة الحبــل!!
*فى عمق المجتمعات التقليدية والمناطق النائية حيث تغيب أضواء المستشفيات وتتلاشى وعود الرعاية الطبية الحديثة تبرز شخصية (داية الحبل) كأحد الملامح البارزة فى طقوس الولادة الشعبية إنها القابلة غير النظامية التى تقف على خط التماس بين الحياة والموت وتمارس مهنتها المتوارثة بأساليب بدائية تعود لعقود مضت حاملة في جعبتها أدوات بسيطة وأحياناً ملوثة لتكون هى المستجيب الأول لصرخات المخاض في ليل القرى الطويل وعلى الرغم من التحذيرات الطبية المستمرة حول المخاطر الجسيمة التى تحيط بعمل (داية الحبل) إلا أن وجودها في كثير من الأحيان يظل خياراً لا مفر منه بل قد يكون طوق النجاة الوحيد المتاح للنجاة ففى بيئات تعانى من عزلة الجغرافيا وفقر الإمكانيات يصبح عدم الاستعانة بها مرادفاً شبه حتمى لفقدان الأم لجنينها أو لمواجهة مضاعفات قد تؤدى بحياتهما معاً مما يجعلها شراً لا بد منه فى عيون الأهالى*.
*إن التعامل مع (داية الحبل) هو أشبه بالمغامرة التى يحكمها منطق الاحتمالات والقدر فحين تتدخل لإجراء الولادة قد يحالفها الحظ تارة وتنجح في إنقاذ الأم والجنين معاً لتتحول إلى بطلة شعبية وتارة أخرى يبتسم الحظ بنصف وجه فيتم إنقاذ الأم بينما يفقد الجنين أنفاسه الأخيرة وفي كلتا الحالتين تظل قسوة الواقع تفرض الاستعانة بها كملجأ أخير لا بديل عنه وعندما تبدأ رحلة المخاض الشاقة وتشرع (داية الحبل) فى ممارسة مهمتها يتكشف بوضوح افتقارها إلى الثقة الكاملة فى النفس والقدرة على اتخاذ القرار المناسب فى الوقت المناسب فهذا الارتباك الفطرى أمام تعقيدات الجسد البشرى والمفاجآت الطبية الدقيقة يجعلها عاجزة عن التصرف بمفردها عندما تنحرف عملية الولادة عن مسارها الطبيعي المعتاد*.
*ولتجاوز هذا النقص فى الثقة وتفادى كوارث اللحظات الحاسمة تلجأ (داية الحبل) إلى جدار حماية إجتماعى متمثل فى الاستعانة بكبار السن من النساء أو ما يُعرف بالقواعد من النساء هؤلاء العجائز يشكلن شبكة دعم حيوية في غرفة الولادة البدائية حيث يتدخلن بخبراتهن الطويلة لشد أزر الداية وتوجيهها ومساعدتها فى إكمال العملية حتى نهايتها ليتجاوز دور القواعد مجرد المساعدة العضلية أو المعنوية ليصبح بمثابة صمام أمان يسد ثغرات التردد لدى الداية فهن اللواتى يمتلكن الحكمة الشعبية المتراكمة لإدارة الأزمات المفاجئة ويقدمن المشورة السريعة في كيفية التعامل مع تعسر المخاض مما يمنح الداية المهتزة غطاءً من الشرعية والثقة والدعم الذى تفتقر إليه فى مواجهة الموقف ومع ذلك لا يمكن إغفال الجانب المظلم والخطير لهذه الممارسة فالأدوات التى تستخدمها (داية الحبل) والتى غالباً ما تفتقر إلى الحد الأدنى من التعقيم تشكل بيئة خصبة لانتقال العدوى والأمراض الفتاكة مثل التيتانوس وحمى النفاس وهى مخاطر صامتة تهدد حياة الأم والجنين حتى وإن انتهت عملية الولادة بنجاح ظاهرى إن استمرار الاعتماد على (داية الحبل) يعكس فجوة تنموية وصحية عميقة ويسلط الضوء على تهميش المناطق الريفية التي تفتقر إلى القابلات القانونيات المدربات أو المراكز الصحية المؤهلة فالمرأة فى هذه المناطق لا تختار الخطر طواعية بل تدفعها الظروف القاسية والاضطرار للارتماء في أحضان الطب الشعبى البدائى كبديل وحيد لمواجهة مصير مجهول*
نــــــــــــص شــــــــــــوكة
*تظل ظاهرة (داية الحبل) جرحاً غائراً في جسد المنظومة الصحية والاجتماعية وتحدياً يتطلب أكثر من مجرد إطلاق حملات التوعية إن إنقاذ الأمهات وأجنتهن يتطلب استراتيجية حقيقية تبدأ بتمكين القابلات النظاميات وتوفير الرعاية الطبية فى كل قرية لتنتهي حقبة الطقوس البدائية التي تضع حياة البشر رهناً بالمصادفة وقرارات اللحظة الأخيرة*.
ربــــــــــع شـــــــوكة
*(طِرِيِنَا الحديد الإبرة كشكشت)*.
yassir.Mohammed@gmail.com



