مقالات الظهيرة

ياسر محمد محمود البشر يكتب…. صــلاة الاستــسقاء… حين تلهث الأرض تضرعاً وتستسقى القلوب رحمة ربها!! 

*عندما تشتاق الأرض لقطرة ماء وتتطلع العيون إلى السماء فى انتظار الغيث تتجلى أعظم صور العبودية والانكسار لله عز وجل إن صلاة الاستسقاء ليست مجرد طقس تعبدي أداءً للواجب بل هي نداء الفطرة الإنسانية فى أوقات الشدة واللجوء الصادق إلى الخالق الذى بيده خزائن كل شيء.

والذى يعيد الحياة إلى الأرض الميتة بقطرات من رحمته ويُقصد بالاستسقاء فى اللغة طلب السقيا من الله تعالى عند احتباس المطر وقحط الأرض وتأتى هذه الصلاة كشعيرة مباركة يُجمع فيها المسلمون في المصليات أو المساجد متضرعين ومتوسلين إلى الله أن يرفع عنهم الضر وأن يغيث عباده وبهائمه فهى عبادة تجمع بين الخشوع الظاهر والرجاء الباطن لترسخ فى القلوب معنى الاعتماد الكلى على الله فى كل شؤون الحياة*.

 

*تستند صلاة الاستسقاء ودعاء طلب المطر إلى أصول ثابتة في القرآن الكريم حيث أمرنا الله بالدعاء والاستغفار كمفتاح لفتح أبواب السماء يقول الله تعالى في سورة نوح:(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا). فتلك الآيات الكريمة تؤكد بوضوح أن التوبة والاستغفار هما السبب الأكبر لمجيء الخير ونزول الغيث كما تواترت الأحاديث النبوية الصحيحة التى تثبت أداء النبي ﷺ لهذه الصلاة فقد روى عبدالله بن زيد رضي الله عنه أن النبي ﷺ خرج إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه وصلى ركعتين كما ورد فى الصحيحين أن أعربياً دخل المسجد والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة وشكى إليه هلاك الأموال وقحط المطر فرفع النبي ﷺ يديه ودعا الله حتى أطبت السماء بالخير والبركة*.

 

“تُصلى صلاة الاستسقاء ركعتين كصلاة العيد تماماً يكبر الإمام فى الركعة الأولى سبع تكبيرات و الثانية خمس تكبيرات ثم يجهر القارئ بالفاتحة وسورة قصيرة وبعد الصلاة يقوم الإمام ليخطب فى الناس خطبة أو خطبتين يعظهم فيها ويحثهم على التوبة والاستغفار ورد المظالم وصيانة الأرحام محفزاً إياهم على الإقبال على الله بقلوب خاشعة ومخلصة وتتسم صلاة الاستسقاء بسنن خاصة تعبر عن الذل والتواضع لله تعالى فمن السُّنة أن يخرج المسلمون إليها متواضعين غير متزينين يلبسون الثياب البسيطة وتظهر عليهم علامات المسكنة والحاجة ومن السنن المؤكدة أيضاً تحويل الرداء بعد الخطبة حيث يقلب الإمام والمصلون أرديتهم تفاؤلاً بإنعكس الحال وتغيير الجفاف إلى خصب والشدة إلى رخاء*.

 

*إن فلسفة الاستسقاء تتجاوز حدود طلب الماء فهى مراجعة شاملة لصحيفة الأعمال وتجديد للعهد مع الله تحث هذه الشعيرة الأفراد والمجتمعات على التكافل الاجتماعى وتطهير الأموال بالزكاة والابتعاد عن الظلم والفساد إن احتباس المطر ينبه الإنسان إلى ضعف قوته أمام قدرة الله ويدعوه للعودة إلى الفضيلة والقيم السامية التى تحفظ للمجتمعات أمنها ورخاءها وتظل صلاة الاستسقاء رسالة أمل متجددة تُعلم الإنسان ألا ييأس من روح الله مهما طال القحط وجفت الأنهار إنها اللحظة التى تلتقى فيها دموع التائبين بقطرات الغيث الموعود لتخضرّ الأرض وتبتهج النفوس مجددةً الإيمان بأن مع العسر يسراً وأن الله لطيف بعباده يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته ليكتب للأرض حياة جديدة*.

 

 

yassir.mahmoud71@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى