ياسر محمد محمود البشر يكتب…. *البياباك أغبش ما تتمسح عشانو”!!
*العنوان أعلاه فلسفة شعبية فى إحترام الذات مما تزخر الثقافة السودانية بإرث عريض من الأمثال الشعبية التى لم تكن يوماً مجرد كلمات تُقال لمجرد السجع أو التسلية بل هى خلاصة تجارب إنسانية عميقة صاغها الأجداد بذكاء فطرى لتبسيط أعقد مفاهيم علم النفس والاجتماع ومن بين هذه الدرر الحِكمية يبرز المثل الدارج (البياباك أغبش ما تتمسح عشانو) وهو مَثل يحمل في طياته دلالات نفسية واجتماعية بالغة الأهمية.
ويُشكل قاعدة ذهبية فى فن التعامل مع الآخرين والحفاظ على كرامة النفس في بنيته اللغوية البسيطة يعبر المثل عن معادلة واضحة المعالم و(الغبش) في العامية السودانية يُشير إلى الشحوب أو جفاف الجلد من أثر الغبار والعمل وهو المظهر الطبيعى للإنسان الكادح قبل أن يتزين أو يتجمل والمثل فى جوهره يوجه رسالة حاسمة إن من يرفضك أو يزهد في رفقتك وأنت في حالتك العادية والطبيعية فلا تُجهد نفسك بالتمثيل ولا تبالغ في تصنع التزين أو تغيير جلدك من أجل استعطافه أو نيل رضاه*.
*تنطلق هذه الحكمة من مربع الكرامة الإنسانية التى لا تقبل المساومة فالإنسان السوى لا ينبغي له أن يتنازل عن أصالته أو يرتدى أقنعة لا تشبهه لمجرد إرضاء الآخرين إن محاولة التمسح وهى دلالة على التجميل المصطنع من أجل شخص أظهر لك الصد أو عدم القبول هي بمثابة تقليل من شأن الذات ووضع قيمتك الإنسانية تحت رحمة أمزجة الآخرين وتفضيلاتهم المتغيرة ومن الناحية النفسية يضعنا هذا المثل أمام حقيقة مريحة للغاية.
وهى أن القبول والمحبة لا يمكن شراؤهما بالتصنع أو التكلف العلاقات الإنسانية الحقيقية والمستدامة هى تلك التى تبنى على التقبل غير المشروط فمن يحبك ويحترمك سيقبل بك في لحظات (غبشتك) وفى أوقات تعبك وراحتك أما أولئك الذين يشترطون مظهراً معيناً أو سلوكاً متصنعاً للبقاء معك فهم فى الحقيقة لا يحبونك أنت بل يحبون الصورة التى رسموها لك في مخيلتهم*.
*وعلى الصعيد الاجتماعي يعكس المثل وعياً جمعياً بضرورة غربلة العلاقات وتحديد المسافات فالمجتمع السودانى برغم ترابطه الشديد وتداخله يقدر جداً عزة النفس ويرفض التملق أو التودد المبالغ فيه لمن لا يثمن هذه القيمة إن تطبيق هذا المثل في حياتنا اليومية يحمينا من خيبات الأمل المتكررة ويختصر علينا الكثير من الوقت والطاقة المهدرة في محاولة إثبات جدارتنا لأشخاص قرروا مسبقاً ألا يرونا على.
حقيقتنا وفي عصرنا الرقمى الحالى يكتسب هذا المثل بعداً جديداً وأكثر إلحاحاً حيث نعيش في عالم تحكمه المظاهر ومنصات التواصل الاجتماعى التى تدفع الجميع نحو التمسح الرقمى والتصنع واستعراض حيوات مثالية مزيفة لنيل الإعجاب والقبول تأتى هذه الحكمة السودانية لتذكرنا بضرورة العودة إلى الأرض، والاعتزاز بـ(غبشتنا) الإيجابية التى تمثل كفاحنا وواقعيتنا وصدقنا مع أنفسنا ومع الآخرين بعيداً عن زيف الفلاتر والأقنعة إن البديل الحقيقى للتمسح من أجل الرافضين هو الاستثمار فى الذات والالتفات نحو من يقدرون قيمتنا الحقيقية فالحياة أقصُر من أن نقضيها في الركض خلف قناعات الآخرين عندما نتصالح مع مظهرنا وجوهرنا وظروفنا نجذب تلقائياً الأشخاص المناسبين الذين يشبهون نقاءنا والذين يدركون أن (الغبشة) الخارجية قد تخفى ورائها قلباً من ذهب وعقلاً من نور*.
*يمكن القول إن مَثل (البياباك أغبش ما تتمسح عشانو) ليس دعوة للإهمال أو ترك التجمل بل هو صرخة في وجه التبعية النفسية والتصنع المهين إنه دستور متكامل لعزة النفس والاعتزاز بالأصل يربى فى الأجيال ثقافة الاكتفاء بالذات ويؤكد أن من لا يسعه قلبك وأنت على طبيعتك لن تسعه كل مساحيق الدنيا ولو صببتها على وجهك صباً فالأصالة تبقى والزينة المصطنعة تزول مع أول قطرة مطر أو هبة ريح*.
yassir. mahmoud71@gmail.com



