(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب : في مِحارِ الموقف.. صلاةُ الشدةِ وترَفُ النعمةِ وبهاءُ الخلاف!
في معتركِ الأيامِ الذي لا يكفُّ عن مباغتتنا، نجدُنا نبحثُ عن تميمةٍ تقينا عثراتِ الروح، فلا نجدُ أصدقَ من ثلاثيةٍ صاغها القَدَرُ ببراعةِ فنان: الشدة، والنعمة، والخلاف.
إن الشدةَ يا سادة، ليست ذاك العُسرَ الذي يُثقلُ الكواهل، بل هي “مرايا” الروح التي توقظُنا من صخب الزحام؛ ففي مَضايقها ينجلي الضبابُ عن الوجوه، وتسقطُ الأقنعةُ الملونة التي ارتداها العابرون في مواسمِ “النَّعم” الرخيصة. هي اللحظةُ الفارقة التي نكتشفُ فيها أن الرفقةَ الحقةَ لا تُقاسُ بطولِ السنين، بل بعُمقِ الأثر حين تضيقُ المسافات، فنبصرُ من خلالها نورَ الوفاء الذي لا يُباعُ في حوانيتِ المجاملات، بل يُشترى بصبرِ الرجالِ وثباتِ المواقف.
وعلى ضفةِ العبورِ الوارفة، تتهادى “النعمةُ” كخيطِ فجرٍ يغري بالاسترخاء، لكنها تُخفي تحتَ بياضها اختباراً أشدَّ وطأةً من العَوز؛ وهو اختبارُ “أناقة الذاكرة” تجاه البدايات.
إن الترفَ الحقيقي ليس فيما نكتنزهُ من حطامٍ أو نحصدهُ من ألقاب، بل في تلك القدرةِ الفائقة على ألا نتركَ بريقَ الوصول يُنسينا غُبارَ الطريق. فالصدارةُ التي تتنكرُ لمن غرسوا معنا أولى البذور، هي صدارةٌ باردة لا نبضَ فيها ولا حياة. إن “التكنيكل” الراقي في حُبِّ النعمة هو أن نمنحها عطرَ التواضع، ونصونها من “ثقبِ النسيان الكبير” الذي يبتلعُ فضلَ الشركاء، لنظلَّ أوفياءً لملحِ الطريقِ الذي تذوقناه معاً قبل أن يُسكرنا خمرُ النجاحِ المباغت.
وفي هذا المدى الرحيب، يبرزُ “الخلافُ” لا كفجوةٍ تفصلُ بين الضفاف، بل كرقصةٍ رقيقة للعقولِ التي تأنفُ الركود. الخلافُ في شرعةِ المبدعين هو “نكهةُ” الحقيقة، ولذعةُ الفكر التي تمنحُ حياتنا قوامها المدهش. نحنُ لا نختلفُ لنهدمَ الجسور، بل لنعيدَ ترميمَ الوعي بحجارةِ التباينِ الرصين. إن قمةَ السموِّ هي أن نغزلَ من خيوطِ “الخلاف” ثوباً يسترُ العيوب، ويفتحُ آفاقاً نكتشفُ فيها أنَّ “الآخر” هو مرآتُنا التي نرى فيها ما لا تراهُ أعيُنُنا.
هكذا، نلملمُ أطرافَ الكلمِ في “همس الأربعاء”، لنطويَ المسافاتِ بترفِ الحرفِ ونعومةِ الموقف، مبحرينَ نحو ريادةٍ لا تُنالُ بالسطوِ على الضياء، بل بإيقادِ الشموعِ في عتمةِ القضايا، لتبقى الكلمةُ هي الحقيقةَ الوحيدةَ التي لا تقبلُ الانكسار، والبوصلة التي تهدينا دوماً نحو صدارةِ المعنى ونبلِ المقصد.



