مقالات الظهيرة

(نقطة ضوء) سفيان عبدالغفار ابومحمد يكتب… نهر الأحلام.. من الأزرق إلى الأبيض!!

تخيل معي للحظة أنك تحلق فوق السودان، فوق تلك الرقعة المنسية بين مشروع سندس ومشروع الجزيرة. ماذا سترى؟

سترى 110 آلاف فدان في مشروع سندس، 90% منها خارج الخدمة، أرض تبكي من العطش وهي على مرمى حجر من النيل. وسترى إلى جانبها سهلا مطريا مسطحا، جميلا، بكرا، لم تمسه محراث منذ أن خلقه الله، يمتد كالبساط بين نهرين عظيمين، ينتظر فقط من يوقظه.

هذه ليست أرضا.. هذه كنز مدفون.

والفكرة التي قد تبدو مجنونة اليوم، هي التي ستصبح بديهية غدا: لماذا لا نشق نهرا صناعيا يربط النيل الأزرق بالنيل الأبيض؟

نهر صناعي، ليس قناة ري صغيرة، بل شريان حياة، يبدأ من الأزرق الهادر شرقا، ويشق طريقه غربا بهدوء وعظمة، ليصب في الأبيض الهادئ. وعلى ضفتي هذا النهر، نخلق أعظم مشروع زراعي في تاريخ السودان الحديث.

الفكرة بسيطة في عبقريتها:

نحول هذه المساحة المهملة بين ولايتين إلى أكبر مزرعة لإنتاج الأعلاف والألبان واللحوم في أفريقيا. السودان يملك 30 مليون رأس من الماشية تائهة في الخلاء، بلا علف منظم ولا لبن مصنع، نستورد اللبن المجفف بمئات الملايين من الدولارات ونحن نملك المرعى والماء والبقر!

لو تم هذا المشروع:

أولا: سنحل معضلة مشروع سندس إلى الأبد. المشروع الذي صرفت عليه مليارات ومات عطشا لأنه يعتمد على طلمبات متهالكة، سيصبح يروى انسيابيا من النهر الصناعي.

ثانيا: سننقذ قسم أبوقوتة والمسيد في مشروع الجزيرة، ذلك القسم الذي ظل لعشرين عاما يصرخ من العطش في نهاية الترع. الماء سيأتيه من الخلف، من هذا النهر الجديد، فيرتوي وينتج.

ثالثا: وهذا هو الأهم، سنوظف مئات الآلاف من الشباب والشابات. ليس توظيفا مكتبيا، بل عمل حقيقي: مزارع أبقار، مصانع أعلاف، مصانع ألبان، مصانع لحوم، وحدات تبريد، أساطيل نقل. ثلاث ولايات ستستيقظ من سباتها: الخرطوم جنوبا، والجزيرة شرقا، والنيل الأبيض غربا.

ورابعا: سنحمي الخرطوم من الفيضان. هذا النهر الصناعي سيكون أكبر حوض تهدئة لمياه النيل الأزرق في موسم الفيضان، بدلا من أن تغرق المناقل والخرطوم، نحول الفائض ليملأ هذا الحوض ويسقي أرضا جديدة.

وخامسا: وهو ما لا ينتبه له كثيرون، سنغير مناخ المنطقة. نعم، الغطاء النباتي لمئات الآلاف من الأفدنة من البرسيم والذرة الشامية والرودس، سيلطف درجة الحرارة، سيبرد الجو، سيزيد من نسبة هطول الأمطار، سيحول تلك المنطقة الصفراء القاحلة إلى واحة خضراء ترى من الأقمار الصناعية.

قد يقول قائل: هذا حلم، وهذا مكلف.

وأقول: وماذا كلفنا ترك 110 آلاف فدان بورا؟ وماذا كلفنا استيراد اللبن واللحم والأعلاف؟ وماذا كلفنا بطالة مئات الآلاف من الشباب؟

السد العالي كان حلما، ومشروع الجزيرة كان حلما، واليوم نحن نحتاج إلى حلم بحجم السودان.

الأرض موجودة، والماء موجود، والشباب موجود، لم يبق إلا القرار والإرادة الوطنية الصادقة التي تؤمن بأن السودان لا يحتاج إلى معونات، بل يحتاج إلى من يحسن استثمار ما حباه الله به.

فلنشق النهر.. وليأت من بعده الخير كله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى