(مَدَارُ | الفهم) فهمي إبراهيم يكتب… نحمي الهاتف من الخدش… ونترك الإنسان مكشوفًا!

نشتري الهاتف، فنُسارع إلى حمايته: اسكرينة، جراب، غطاء. نخشى عليه من خدشٍ صغير أو صدمةٍ عابرة قد تُنقص قيمته.
لكن المفارقة الصادمة:
نحمي الهاتف من أعين الناس، ونترك الإنسان مكشوفًا أمامها!
القضية ليست هاتفًا، ولا قطعة قماش، ولا حربًا على الموضة والجمال؛ القضية هي قيمة الإنسان، وحقه في الخصوصية، ووعيه بما يعرضه وما يصونه.
في زمنٍ أصبحت فيه الكاميرا في الجيب، والنشر بضغطة، والإعجاب مقياسًا عند البعض، لم يعد السؤال: ماذا أستطيع أن أنشر؟
بل:
هل كل ما أستطيع إظهاره… يستحق أن يراه الجميع؟
فالحرية ليست أن تفعل كل ما تستطيع؛
الحرية أن تستطيع… ثم تختار.
والحياء ليس ضعفًا، والستر ليس عيبًا، والاحتشام ليس حربًا على العصر. ولمن يختاره قناعةً دينية وأخلاقية، فهو أحد وجوه صيانة النفس والخصوصية.
المشكلة تبدأ حين تتحول الحياة إلى واجهة عرض، وحين يصبح رضا الآخرين أهم من احترام الإنسان لذاته.
منذ متى أصبحت قيمة الإنسان بعدد المشاهدات والإعجابات؟
الصحفي لا ينشر كل ما يعرف، والسياسي لا يكشف كل أوراقه، والرياضي لا يعلن كل أسرار فريقه، والتاجر لا يعرض أسرار تجارته.
فالإنسان أيضًا له ما يُقال… وله ما يُصان.
ونحن لا نحتاج إلى رقابةٍ أعلى صوتًا، بل إلى وعيٍ أقوى؛ فالرقابة قد تمنع الإنسان أمام الناس، لكن القناعة تمنعه حين لا يراه أحد.
وهناك تحديدًا يظهر الفرق بين من يخاف الناس… ومن يحترم نفسه.
نضع كلمة مرور للهاتف كي لا يدخل إليه غريب، ونضع اسكرينة تحمي شاشته من الخدش.
فلماذا لا نضع داخل أنفسنا كلمة مرور تحمينا من نشر ما لا ينبغي أن يُنشر؟
الهاتف إذا انكسر، استُبدل.
والشاشة إذا تحطمت، أُصلحت.
أما الكرامة إذا انكسرت…
فلا تُباع لها قطعة غيار.
لذلك، قبل أن تضغط «نشر»، توقف لحظة واسأل:
هل ما سأعرضه يستحق أن يبقى أمام الجميع… أم أن قيمته الحقيقية في أن يبقى لي؟
احمِ هاتفك كما تشاء، لكن لا تنسَ أن تحمي الإنسان الذي يمسكه.
فالاسكرينة تحمي الشاشة، والجراب يحمي الهاتف، والوعي يحمي الإنسان.
وفي النهاية:
الهاتف إذا انكسر… يُستبدل.
أما الكرامة إذا انكسرت… فلا نسخة أخرى منها.



