(من أعلي المنصة) ياسر الفادني يكتب… واشنطن تُرتّب الأوراق تحت الطاولة… فمن خارج اللعبة؟

ما يلوح في الأفق هذه الأيام ليس غبار تكهنات ، بل ملامح تسوية تُطبخ على نار هادئة، بأيدٍ دولية تعرف جيدًا كيف تُخفي الملاعق وتُظهر النتائج فقط
هناك مبادرة سياسية كبيرة تتحرك في الممرات الضيقة، مدعومة من واشنطن ولكن بلا ضجيج، وكأنها صفقة تُدار تحت الطاولة لا تحت الأضواء، هدفها إنهاء الحرب، لكن بشروط تعيد رسم المشهد السياسي بالكامل، وتُقصي من لا يجيد قراءة التحولات
في قلب هذا المشهد يقف الإسلاميون في منطقة حرجة، لا هم داخل المعادلة أقرب إلى موقع (المعفوص) سياسيًا وليس المتفرج كما حدث عقب الثورة حين وُضِعوا في زاوية الانتظار، ولا يبدون حتى الآن كقوة تعيد التموضع بذكاء يليق بخطورة المرحلة ، وإذا ما هبطت هذه المبادرة إلى أرض الواقع، فإنها لن تمر مرور الكرام، بل ستُحدث عفصة سياسية كبرى، تعيد ترتيب القوى، وقد تُخرج من المشهد من يظن أنه ما زال لاعبًا أساسيًا
المعضلة الحقيقية ليست في حجم المؤامرات، بل في ضيق أفق القراءة لدى الإسلاميين، لقد استهلكوا جهدهم في مسار واحد: التعبئة والاستنفار لصالح القوات المسلحة، وهو مسار مهم وضروري، بل وحققوا فيه نجاحًا ملحوظًا، لكنه لا يكفي وحده في معركة تُدار بنصفها في الغرف المغلقة والنصف الآخر في موازين المصالح الدولية. السياسة لا تُدار فقط بالبندقية، بل أيضًا بالمرونة، بالتحالفات، وبالقدرة على التنازل التكتيكي دون الانكسار الاستراتيجي
ثمة قوى فاعلة تُحرك المشهد كمن يُحرّك قصاصات الحديد بآلة مغناطيسية؛ توجهها حيث تشاء، وتُبعدها متى أرادت ، هذه القوى لا ترى في الإسلاميين شريكًا للمستقبل، بل عبئًا يجب تحييده أو تقليص أثره إلى الحد الأدنى، ولم يكن قرار تصنيف الإخوان المسلمين في الولايات المتحدة إلا جرس إنذار مبكر، أو بالأحرى أول صفعة في سلسلة صفعات قادمة، مهّدت الطريق لتحالفات جديدة برزت بعد الثورة، وعلى رأسها قوى الحرية والتغيير بمسمياتها المتعددة.
الدرس واضح لكنه لم يُستوعب بعد: من لا يُجيد تغيير جلده السياسي في الوقت المناسب، يُسلخ على مهل. الاستمرار في نفس القوالب القديمة، بنفس الخطاب، ونفس أدوات الفعل، هو انتحار بطيء
السياسة ليست ميدانًا للثبات العقائدي فقط، بل ساحة متحركة، قذرة أحيانًا كما وصفها بعض أهلها، لكنها لا ترحم الساذجين ولا تنتظر المترددين
اللحظة الآن ليست لحظة شعارات، بل لحظة مراجعات عميقة، إما أن يتحول الإسلاميون من حالة (علوق شدّة) يُستدعى عند الحاجة ثم يُلقى به جانبًا، أو يواجهوا مصير (جزاء سنمّار) بعد أن يُستخدموا كأداة في معركة ليست معركتهم الكاملة ، الخيار ضرورة وجود،فالمرحلة القادمة ثقيلة، ومن لا يُحسن حملها، سيسحقه وزنها دون رحمة.



