مقالات الظهيرة

(من أعلي المنصة) ياسر الفادني يكتب… حين يتكلم القرآن… تصمت القلوب خشوعاً

في مشهدٍ جليلٍ كأنما انسلّ من زمن الصحابة، جلسنا منصتين خاشعين، تتساقط على مسامعنا آياتٌ بينات من كتاب الله، يتلوها صبيةٌ وصبياتٌ اجتازوا المنافسات الختامية لجائزة الخرطوم الدولية لتحفيظ القرآن الكريم – نسخة الجزيرة، تلك التي حملت اسم الرجل الصالح أبونا ودمدني السني، فصار الاسم عنواناً للبركة، وصارت الجائزة منارةً يتفيأ الناس ظلها.

كانت القلوب يومها لا تسمع مجرد أصوات… بل كانت تسمع القرآن حين يوقظ الروح من غفلتها.

أصوات ندية مشبعة بتلاوات خاشعة، تخرج من حناجر غضّة لم تلوثها الدنيا بعد، فإذا بالغنّة تلامس القلب، وإذا بالمدّ يوقظ في الروح رعشة، وإذا بالغلغلة تقشعر لها الأبدان، كأن الآيات تُتلى لأول مرة.
العجيب أن القاعة لم يكن فيها تكييف دنيوي، لكن الجو كان بارداً ببركة القرآن.

نعم… حين يحضر القرآن تهدأ الضوضاء، وتبرد النفوس، ويشتعل الإيمان في الصدور كجذوةٍ لا تنطفئ.
وفي هذا الخضم القرآني المهيب، كان الأستاذ مرتضى البيلي جالساً على المنصة منصتاً خاشعاً، وبجواره أمين جمعية القرآن الكريم ووزير الرعاية الاجتماعية، وكأن الصمت الذي جمعهم كان أبلغ من الخطب. عرفت خشوعهم من ألسنتهم حين نطقوا… فلم يخرج منها إلا العسل، ولم تتحدث إلا عن القرآن، وعن الذين حملوه في صدورهم، وعن أسرٍ دفعت أبناءها ليغترفوا من هذا المعين الكريم الذي لا ينضب.
قاعة قصر الضيافة بمدني امتلأت بمحبي القرآن حتى فاضت، كأن المدينة كلها جاءت لتشهد لحظة من لحظات النور.
وجوهٌ مشرقة… قلوبٌ معلقة بالسماء… وعيونٌ دامعة كلما ارتفعت آية أو انخفض صوت قارئ.

أما أمين ديوان الزكاة فكان منفعلاً حد الامتلاء، وكأن النبع القرآني قد مسّ شيئاً عميقاً في روحه، فوقف يعد ويعاهد بأن يرعى النسخة القادمة من هذه الجائزة، لأن من يخدم القرآن إنما يخدم الأمة كلها.
وفي طرف المنصة كان الخطيب يبتسم ذات اليمين وذات الشمال، ابتسامة حبٍ وودٍ واحترام لأولئك الذين حبروا القرآن، ولأولئك الذين قرأوه حق القراءة، فكان المشهد كأنه لوحة من نور.

أما قلب الطريفي، زعيم المقاومة الشعبية بالولاية، فقد انطرح في حضرة تلك اللحظات، لأن القرآن إذا حضر لا يبقي في القلب إلا مكاناً للخشوع.

كانت لحظاتٍ شيقة… بل كانت لحظاتٍ من الجمال الخالص، لحظات يشعر فيها الإنسان أن الدنيا ما زالت بخير طالما أن هناك أطفالاً يحفظون كتاب الله، وأسرًا تدفع بهم إلى محراب القرآن، ورجالاً يرعون هذه المسابقات ليبقى النور مشتعلاً.

شكراً للبيلي الذي ألقى خطبةً عصماء تليق بجلال المقام.

وشكراً لنصار الذي ظل يتابع هذا المحفل تخطيطاً وتنفيذاً حتى خرج بهذه الصورة البهية.

وشكراً للقذافي على هذه المبادرة القرآنية التي صنعت أشرف منافسة وأندى سباق.

فالقرآن حين يكون ميداناً… لا يكون السباق فيه إلى الدنيا، بل إلى رضوان الله.
ومن يرفع راية القرآن اليوم… كأنه يزرع نوراً سيضيء وجه هذه الأمة غداً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى