مقالات الظهيرة

(من أعلى المنصة) ياسر الفادني يكتب…. قبل السبعة.. ختّ الاتنين وشوف الحاصل!

قبل السبعة.. ختّ الاتنين وشوف الحاصل! عبارة تبدو في ظاهرها لعبة بالأرقام، لكنها في هذه الصورة تختصر حكاية أكبر من الأرقام نفسها. فالاثنان التي تقترب من السبعة ليسا مجرد رقمين ينتظران اكتمال الـ72، وإنما مشهد رمزي لجيش سوداني يدخل عامه الثاني والسبعين وهو يحمل على كتفيه واحدة من أعنف وأصعب التجارب في تاريخه الحديث

 

قبل اندلاع حرب الكرامة، كانت هناك حسابات أخرى تماماً. تجهيزات سبقت الحرب، أموال وسلاح وإسناد من خارج الحدود، وخطط بُنيت على وهم أن إسقاط القوات المسلحة والسيطرة على الدولة لن يحتاج إلا ساعات قليلة، كان السيناريو جاهزاً في أذهان من خططوا له: تُحاصر المؤسسة العسكرية، تُكسر إرادتها، تُستبدل بها مليشيا ومرتزقة، ثم يُفتح الطريق إلى كرسي الحكم حتى صاحب المشروع خرج في خيلاء من صدّق أن السودان أصبح أقرب إلى غنيمة منه إلى وطن

 

لكن الحسابات سقطت في أول امتحان حقيقي، الجيش الذي ظنوا أنه سينهار لم ينهَر، والدولة التي أرادوا ابتلاعها لم تُسلَّم، والمخطط الذي بدا لأصحابه سهلاً تحوّل إلى حرب مفتوحة كشفت هشاشة كل تلك الثقة المصطنعة. وهنا بدأ العالم يرى القوات المسلحة السودانية بصورة مختلفة، ليس باعتبارها مؤسسة عسكرية فحسب، وإنما باعتبارها مؤسسة وجدت نفسها في مواجهة مشروع يستهدف وجود الدولة نفسها

والأهم من ذلك أن الشعب السوداني لم يقف متفرجاً، هذه المرة حدث شيء مختلف، لم يكن الجيش وحده في المعركة، بل وجد شعبه إلى جانبه، مواطنون حملوا السلاح، وآخرون قدموا المال والغذاء، وغيرهم فتحوا بيوتهم للنازحين، وكل فئات المجتمع وجدت لنفسها موقعاً في معركة الدفاع عن الوطن. وكأن السودانيين كانوا يردون ديناً قديماً لجيش ظل، في محطات كثيرة، يقف في مقدمة المشهد عندما كانت البلاد تواجه الخطر.

وهنا تبدلت المعادلة، في أزمنة سابقة كان الشعب يطالب الجيش بالتدخل عندما تضيق به السياسة، أما في حرب الكرامة فقد وجد الجيش شعباً يلتف حوله عندما أصبحت الدولة نفسها مهددة، لم تعد المسألة علاقة بين مؤسسة عسكرية ومواطنين، بل تحولت إلى شراكة دفاع عن وطن ، لأن السودانيين أدركوا أن سقوط الدولة لن يعني سقوط الجيش وحده، وإنما سقوط البيت الذي يجمع الجميع

 

لهذا أصبحت حرب الكرامة محطة فارقة في صورة القوات المسلحة السودانية، فالمعركة لم تثبت فقط قدرة الجيش على الصمود، وإنما كشفت أيضاً أن الرهان على تفكيك المؤسسة العسكرية واستبدالها بمليشيا مسلحة كان رهانا على السودان نفسه، وأن من أراد الوصول إلى كرسي الحكم فوق جثث الأبرياء اصطدم بحقيقة أبسط وأقسى: الدولة ليست غنيمة، والشعب ليس قطيعاً، والجيش ليس مؤسسة يمكن محوها من الخريطة بقرار من غرفة عمليات

 

إني من منصتي أنظر … حيث أري….

الصورة هنا ليست احتفالاً عادياً بعيد الجيش، إنها انتقال للراية من جيل إلى جيل، ومن جباه الشهداء إلى أيدي أبنائهم

وهكذا يصبح (قبل السبعة.. ختّ الاتنين وشوف الحاصل) عنواناً للصورة وللحكاية معاً، ختّ الاتنين، وانتظر اكتمال السبعة، ثم انظر إلى ما فعلته 72 عاماً من عمر مؤسسة لم يكن امتحانها هذه المرة في ثكنة أو في مناورة، وإنما في حرب أرادها البعض أن تكون خاطفة، فإذا بها تكشف معدن الجيش، وتكشف معه معدن الشعب

في عيد القوات المسلحة، لا نحتفل برقم فقط، بل نتوقف أمام مسيرة مؤسسة حملت السلاح دفاعاً عن السودان، وأمام شهداء تركوا خلفهم أبناءً يحملون ملامحهم وعلامة النصر التي كانت تسبق كلماتهم. وبين الرقم والصورة والضوء، تظل الحقيقة الأوضح: حاولوا أن يجعلوا من السودان دولة تُدار بالبندقية، فوجدوا شعباً يقول إن الوطن لا يُختطف، وجيشاً يقول إن الدولة لا تُسلَّم، وأبناء شهداء يقولون إن الراية التي حملها آباؤهم لم تسقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى