(من أعلى المنصة) ياسر الفادني يكتب… حسبو… داير يَلَمْلِم قصبو !!
في السياسة هناك من يختلف مع وطنه، وهناك من يختلف على وطنه، وهناك من يبيع موقعه كله في مزاد الأوهام ثم يكتشف متأخراً أن المشترين لا يدفعون الثمن إلا خيبةً وندماً، يبدو أن المتمرد حسبو عبد الرحمن وصل إلى هذه المحطة الأخيرة
تشير الوقائع إلى أن الرجل الذي غادر صف الدولة وراهن على مشروع المليشيا، بدأ يكتشف أن الأحلام التي بيعت له كانت أكبر بكثير من الواقع الذي انتهى إليه، ظن أن الطريق إلى النفوذ مفروش بالورود، فإذا به طريق مليء بالأشواك، وظن أنه سيكون رقماً صعباً في المعادلة الجديدة، فإذا به مجرد اسم على هامش الصفحة
حسبو دخل إلى المشهد وهو يعتقد أن تاريخه السياسي وموقعه السابق سيمنحانه مكانة استثنائية، وأنه سيكون في مقدمة الصفوف، لكن حسابات الميدان لا تعترف بالأمنيات، فالمليشيا التي استقبلته لم تمنحه ما كان ينتظره، ولم تضعه حيث أراد، بل أبقته في منطقة الظل، يراقب الآخرين وهم يتقدمون بينما يتراجع هو خطوة بعد أخرى
كان يتخيل نفسه شريكاً في صناعة القرار، فإذا به متفرج على القرارات، وكان يظن أن الأبواب ستفتح أمامه، فإذا بها تضيق يوماً بعد يوم، لذلك لم يكن مستغرباً أن تتسرب الأحاديث عن مراجعات وحسابات جديدة ومحاولات للبحث عن طريق مختلف
لكن المشكلة ليست في الخروج من المركب بعد أن بدأت تغرق، وإنما في السؤال الأكبر: ماذا عن الرحلة كلها؟ ماذا عن المواقف التي اتخذت؟ ماذا عن الاصطفاف الذي ساهم في تعقيد المشهد وإطالة أمد المأساة؟ فالشعوب لا تقيس الرجال بلحظة المغادرة فقط، وإنما تحاسبهم على لحظة الاختيار الأولى
لقد تغير السودان كثيراً. ملايين المواطنين دفعوا أثماناً باهظة من أرواحهم وأمنهم واستقرارهم، ولذلك فإن العودة إلى المسرح السياسي لن تكون سهلة كما يتخيل البعض، فالتاريخ لا يمسح صفحاته بمجرد تغيير المواقف، والذاكرة الوطنية ليست ورقة يمكن تمزيقها والبدء من جديد
يبدو أن حسبو اليوم يقف أمام مرآة الواقع بعد أن انكسرت مرآة الأوهام، يراجع الحسابات، ويقلب كفيه على مشروع لم يحقق له ما أراد، ويبحث عن نافذة للنجاة قبل أن تغلق الأبواب تماماً
لكن الحقيقة التي لا تقبل الجدل أن الزمن الذي كانت فيه المناصب تُغسل الأخطاء قد مضى، وأن الشعب الذي دفع فاتورة الحرب كاملة لن يمنح صكوك البراءة مجاناً لأحد
إني من منصتي أنظر … حيث أقول : حين يكتشف البعض متأخراً أن السفينة تتجه نحو القاع، لا يكون السؤال كيف يقفزون منها… بل لماذا صعدوا إليها من الأساس؟.



