(مشاهد) محمد الطيب عابدين يكتب…. الأسلوب البلاغي في الاستفهام القرآني!!
*كثيرًا ما وقفتُ* على آياتِ الاستفهام في القرآن الكريم، أتساءل: ما المرادُ منها؟ هل وراءها مغزىً مُعيَّن؟ كيف يستفهمُ الخالقُ الذي خلق الاستفهامَ نفسَه وأنزله في كتابه؟ هل للاستفهام أنماطٌ عدّة؟… وكثيرٌ من التساؤلاتِ كانت تدورُ حيرى في قلبي وعقلي؛ حتى بحثتُ لأعرف…
*الاستفهامُ* في القرآن الكريم ليس مجرّد سؤالٍ لطلب العلم، بل هو أسلوبٌ بلاغيٌّ متنوّع يُستخدم للتقرير، التوبيخ، التعجّب، الإنكار، أو الحثّ على التفكير، مما يضفي على النص القرآني قوّةً إقناعيةً وجماليةً فريدة.
*أغراض الاستفهام البلاغي في القرآن*
*التقرير*: إلزامُ المخاطب بالإقرار، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُل لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 12].
*التوبيخ*: توجيهُ اللوم، مثل قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: 75].
*التعجّب*: إظهارُ غرابةِ الفعل، مثل قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 28].
*الإنكار*: نفيُ الفعل أو استبعاده، مثل قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: 10].
*التحفيز على التفكير*: دفعُ العقل للتأمّل، مثل قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82].أمثلة بارزة
التقرير: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8].
*التوبيخ*: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 44].
التعجّب: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا﴾ [آل عمران: 86].
الإنكار: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 60].
التفكير: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: 17].
*القيمة البلاغية*
يخرج الاستفهام في القرآن عن معناه الأصلي (طلب العلم) ليصبح أداةَ إقناعٍ ووسيلةَ تأثيرٍ نفسيٍّ.يحقّق التوازن بين العقل والعاطفة، إذ يُلزم المخاطب بالتفكير والاعتراف، ويثير مشاعره في الوقت نفسه.يُبرز الإعجاز البياني للقرآن، حيث تتنوّع دلالات الاستفهام بحسب السياق دون أن تفقد وضوحها أو قوّتها.
الاستفهام التقريري في القرآن الكريم يُعدّ من أرقى الأساليب البلاغية، إذ لا يُراد به طلبُ الجواب، بل إلزامُ المخاطب بالإقرار والاعتراف بما لا يمكن إنكاره.
خصائصه:
إلزام المخاطب: يجعل السامع يعترف بالحق دون جدال.قوّة الحجة: يُستخدم لتثبيت العقيدة وإظهار وضوح البرهان.
*إثارة الوجدان*: يوقظ الضمير ويُشعر المخاطب أنه لا مفرّ من الاعتراف.الجمع بين العقل والعاطفة: يربط بين قوّة المنطق ووقع التأثير النفسي.أمثلة قرآنية﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8] → تقرير أن الله هو الحكم العادل.﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36] → تقرير أن الله يكفي عبده ويحميه.﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: 40] → تقرير قدرة الله على البعث.﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1] → تقرير النعمة وتذكير بها.التحليل البلاغي لآية ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾
*التوكيد*: دخول الباء في “بأحكم” يفيد مزيدًا من التوكيد.التفخيم: صيغة “أفعل التفضيل” في “أحكم” تعني السموّ المطلق لله في الحكم.الإيجاز: آية قصيرة تحمل معنى عقديًّا عميقًا.الإيقاع الصوتي: تكرار الحروف المهموسة يمنح وقعًا قويًّا يرسخ في السمع.الدلالة العقدية: تقرير عدل الله المطلق ودعوته للتسليم بحكمه.
*مقارنة بلاغية*
بين قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين: 8]،
وقوله: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم: 10].
التقريري: إلزام المخاطب بالإقرار (جوابه “بلى”).
الإنكاري: نفي وجود الشك (جوابه “لا”).الأوّل يرسّخ الحقائق الكبرى، والثاني يزيل الشكوك والباطل.كلاهما يحقّق غرضًا عقديًّا، لكن بأسلوب مختلف: الأوّل يرسّخ اليقين، والثاني يقطع الشك.
مع تحياتي،،،
*محمد الطيب عابدين*
بُرِّي – أيقونة الخرطوم
١٦ يونيو ٢٠٢٦م



