محمد أحمد البشرى يكتب… وطنٌ واحد وحقوقٌ متساوية ومستقبلٌ يجمعنا المقال : كل أجزائه لنا وطن

سلسلة نحو بناء العقد الاجتماعي السوداني
وطنٌ واحد وحقوقٌ متساوية ومستقبلٌ يجمعنا
المقال التاسع: كل أجزائه لنا وطن
حين كتب الشاعر محمد عثمان عبد الرحيم كلماته الخالدة في قصيدة “أنا سوداني” لم يكن يصف حدودًا جغرافية أو يعدد معالم وطن فحسب، بل كان يعبر عن وجدان شعب كامل وعن رؤية عميقة لمعنى الانتماء الوطني. ومن بين تلك الكلمات الباقية قوله: “كل أجزائه لنا وطن”، وهي عبارة تختصر في كلمات قليلة جوهر الفكرة التي نبحث عنها اليوم في مشروع بناء العقد الاجتماعي السوداني.
فالوطن لا يتجزأ في وجدان أبنائه، ولا تتفاوت قيمة أجزائه بحسب الموقع أو القبيلة أو الجهة أو الثروة. فالشمال والجنوب والشرق والغرب والوسط وكل بقعة من أرض السودان هي جزء أصيل من الوطن الكبير الذي يجمع أبناءه تحت راية واحدة ومصير واحد.
لقد عانى السودان طويلًا من نزاعات غذتها مشاعر التهميش والإقصاء والصراع حول السلطة والثروة والهوية. وفي خضم تلك الأزمات تراجعت أحيانًا فكرة الوطن الجامع أمام الولاءات الضيقة والانتماءات الصغيرة. لكن التجارب أثبتت أن لا مستقبل مستقرًا للسودان إلا بالعودة إلى المعنى الذي عبرت عنه تلك القصيدة الوطنية الخالدة: أن كل أجزاء الوطن ملك لجميع السودانيين وأن لكل سوداني الحق الكامل في الانتماء إلى كل شبر من أرضه دون تمييز أو استثناء.
إن بناء العقد الاجتماعي السوداني يبدأ بالاعتراف بأن الوطن ليس حكرًا على جهة دون أخرى ولا على مجموعة دون غيرها وأن المواطنة المتساوية هي الأساس الذي تقوم عليه الحقوق والواجبات.
فعندما يشعر المواطن في أقصى الغرب أن قضايا الشرق تعنيه ويشعر المواطن في أقصى الشمال أن استقرار الجنوب جزء من استقراره ويدرك الجميع أن أمن أي منطقة هو أمن للسودان كله عندها فقط تتجسد الوحدة الوطنية في صورتها الحقيقية.
والوطن ليس الأرض وحدها بل الإنسان أيضًا. فالإنسان السوداني في كل أقاليمه وأعراقه وثقافاته جزء من هذا الوطن الكبير يحمل ذات الكرامة ويستحق ذات الحقوق والفرص. ومن هنا فإن العقد الاجتماعي المنشود لا يقوم فقط على وحدة الأرض بل على وحدة المصير والاعتراف المتبادل بين أبناء الوطن الواحد.
إن عبارة “كل أجزائه لنا وطن” ليست مجرد بيت من قصيدة وطنية بل هي رؤية سياسية واجتماعية وأخلاقية يمكن أن تشكل أساسًا لمستقبل السودان. فهي تدعو إلى تجاوز الانقسامات وإلى بناء دولة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء متساوون في الوطن والثروة والفرص وصناعة المستقبل.
وفي هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ بلادنا تظل الحاجة قائمة إلى ترسيخ هذا المعنى في الوعي العام وفي الخطاب السياسي وفي مؤسسات الدولة حتى يصبح السودان وطنًا يتسع للجميع ويجد فيه كل مواطن نفسه ممثلًا ومحترمًا ومشاركًا في صنع مستقبله.
فإذا كان الوطن يجمعنا جميعًا فإن مسؤولية بنائه وحمايته والنهوض به تقع على عاتقنا جميعًا. وحين نؤمن حقًا بأن كل أجزائه لنا وطن سنكون قد وضعنا إحدى أهم اللبنات في بناء العقد الاجتماعي السوداني الذي يحقق السلام والاستقرار والعدالة للأجيال القادمة.
محمد أحمد البشرى



