مقالات الظهيرة

مجلس الأمن الدولي واللا أمن…. المسيرات القادمة من إثيوبيا… من يحمي سيادة السودان إذا عجز مجلس الأمن عن حماية الأمن والسلم الدوليين؟(5)!!

رؤية وطنية…. نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

 

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي عباس

 

مجلس الأمن الدولي واللا أمن

 

الباب الخامس والأخير من سلسلة: المسيرات القادمة من إثيوبيا

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من يحمي سيادة السودان إذا عجز مجلس الأمن عن حماية الأمن والسلم الدوليين؟

 

ليس من حق السودان أن يسأل العالم لماذا صمت فحسب، بل من حقه أن يسأل مجلس الأمن الدولي: ما جدوى وجودكم إذا ظلت الدول والشعوب التي تتعرض للعدوان تبحث وحدها عن سبل حماية أمنها وسيادتها؟

 

إن مجلس الأمن الدولي لم يُنشأ ليكون شاهداً على الحروب، ولا منصة تتبادل فوقها الدول البيانات والعبارات الدبلوماسية، ولا مؤسسة تكتفي بإحصاء الضحايا بعد سقوطهم، وإنما أُنشئ بموجب ميثاق الأمم المتحدة ليكون مسؤولاً عن صيانة السلم والأمن الدوليين، ومنع العدوان، والتصدي للتهديدات التي تعرض استقرار الدول والشعوب للخطر.

 

ومن هنا تأتي أهمية الموقف السوداني في مواجهة التطورات الخطيرة المرتبطة بالمسيرات التي تقول الحكومة السودانية إن بعضها انطلق من الأراضي الإثيوبية لاستهداف مواقع داخل السودان، بما في ذلك المنشآت الكهربائية والمرافق المدنية والبنية التحتية الحيوية.

 

لقد تقدمت وزارة الخارجية السودانية بشكاوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الإفريقي، وأعلنت تقديم وثائق وأدلة تتعلق بهذه الاتهامات. كما تحدث تقرير سوداني عن رصد سبعين هجوماً شملت 187 مسيرة انتحارية خلال الفترة من 15 فبراير وحتى 27 أكتوبر 2026، فضلاً عن خسائر بشرية ومادية جسيمة. وهذه المعلومات تستوجب تحقيقاً دولياً مستقلاً يفحص الأدلة ويتحقق من الوقائع ويحدد المسؤوليات.

 

ولا يجوز إغفال أن إثيوبيا تنفي هذه الاتهامات، وهو ما يجعل التحقيق المحايد ضرورة لا تحتمل التأجيل، حتى لا تبقى الحقيقة رهينة تبادل الاتهامات، وحتى لا تضيع حقوق الضحايا بين المواقف السياسية.

 

مجلس الأمن أمام اختبار المصداقية

 

إن السودان لا يطلب من مجلس الأمن امتيازاً خاصاً، ولا يريد أن تُمنح حكومته حصانة من المساءلة، وإنما يطالب بتطبيق القانون الدولي على الجميع دون استثناء.

 

فإذا ثبت أن أراضي دولة مجاورة استُخدمت منصة لإطلاق هجمات عسكرية ضد دولة أخرى، فإن الأمر لا يعود مجرد خلاف حدودي أو سوء تفاهم سياسي، بل يصبح قضية تمس سيادة الدول وسلامة أراضيها ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

 

وهنا ينبغي أن يتحرك مجلس الأمن في اتجاهات واضحة:

 

أولاً: تشكيل آلية تحقيق دولية مستقلة لفحص الأدلة الفنية والجغرافية والعسكرية التي قدمها السودان، وتحديد مواقع انطلاق المسيرات ومساراتها والجهات التي خططت لها ونفذتها.

 

ثانياً: مطالبة إثيوبيا بتقديم إيضاحات رسمية بشأن الاتهامات المتعلقة باستخدام أراضيها في تنفيذ هجمات ضد السودان، والتعاون الكامل مع أي تحقيق دولي محايد.

 

ثالثاً: اتخاذ التدابير اللازمة لمنع استخدام أراضي الدول المجاورة أو أجوائها أو منشآتها العسكرية في أي عمليات تستهدف الأراضي السودانية.

 

رابعاً: حماية المنشآت المدنية ومحطات الكهرباء والمياه والمستشفيات ومرافق الخدمات الأساسية، باعتبار أن استهدافها يضع حياة ملايين المدنيين في دائرة الخطر.

 

خامساً: محاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن التخطيط أو التمويل أو التسليح أو التنفيذ، أياً كانت جنسيته أو موقعه أو الجهة التي ينتمي إليها.

 

السودان ليس ساحة مستباحة

 

إن أخطر ما يمكن أن يواجه السودان في هذه المرحلة ليس السلاح وحده، وإنما محاولة تحويل الحرب الداخلية إلى بوابة لاستباحة السيادة الوطنية، وتوسيع دائرة الصراع عبر الحدود، وإدخال البلاد في مواجهة إقليمية لا تخدم شعباً ولا تحقق استقراراً.

 

لقد تحمل الشعب السوداني من ويلات الحرب ما يفوق طاقة الاحتمال؛ فقد تهدمت البيوت، وتعطلت المصانع، وتوقفت الخدمات، وتعرضت المدن والمنشآت الحيوية للاعتداءات.

 

فهل يُعقل أن يُترك هذا الشعب ليواجه وحده تداعيات حرب تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية، بينما تكتفي المؤسسات الدولية بإصدار بيانات القلق والأسف؟

 

إن استهداف محطات الكهرباء ليس استهدافاً لمجرد منشآت وأسلاك ومحولات، بل هو استهداف للمستشفيات التي تحتاج إلى الكهرباء، وللمياه التي تصل إلى البيوت، وللمخابز التي تطعم الجائعين، وللمزارع التي تنتج الغذاء، وللأسر التي تبحث عن أبسط مقومات الحياة.

 

ومن يستهين باستهداف هذه المرافق إنما يستهين بحياة الإنسان وحقه في الأمن والعيش الكريم.

 

رسالة إلى مجلس الأمن الدولي

 

نقول لمجلس الأمن: إن الأمن لا يتجزأ، والسيادة لا تُمنح وفق ميزان المصالح، وحقوق الشعوب لا ينبغي أن تتبدل بتبدل التحالفات السياسية.

 

إن صمت المؤسسات الدولية أو بطء استجابتها أمام الاعتداءات العابرة للحدود يضعف الثقة في النظام الدولي، ويبعث برسالة خطيرة مفادها أن الدول الضعيفة وحدها هي التي تتحمل ثمن الفوضى، وأن الدول التي تمتلك النفوذ تستطيع الإفلات من المساءلة.

 

ونقول للأشقاء في القارة الإفريقية: إن السودان ليس دولة هامشية في خريطة إفريقيا، وإنما هو دولة ذات موقع استراتيجي وتاريخ عريق وعمق بشري وحضاري، وأمنه جزء لا يتجزأ من أمن القارة واستقرارها.

 

وعلى الاتحاد الإفريقي أن يضطلع بمسؤوليته، وألا يسمح بتحول الحدود الإفريقية إلى ممرات للعدوان أو ساحات لتصفية الحسابات.

 

السيادة السودانية خط أحمر

 

إن السودان لا يسعى إلى الحرب مع جيرانه، ولا يضمر عداءً للشعب الإثيوبي الذي تربطه بالشعب السوداني علاقات تاريخية وجغرافية وإنسانية عميقة.

 

ولكن حسن الجوار لا يعني التفريط في السيادة، والتاريخ المشترك لا يبرر التغاضي عن أي تجاوز، والعلاقات بين الشعوب لا ينبغي أن تكون رهينة تصرفات سياسية أو عسكرية تضر بمصالحها ومستقبلها.

 

إن السودان يملك الحق المشروع في حماية أراضيه وشعبه ومؤسساته، وفق القانون الدولي، وبما يحفظ أمنه واستقلال قراره الوطني.

 

ولن يكون السلام الحقيقي ممكناً ما لم تتوقف الاعتداءات، ويُمنع استخدام أراضي الدول في الإضرار بجيرانها، وتُحاسب الجهات التي يثبت تورطها في إشعال الحروب وتوسيع نطاقها.

 

خاتمة السلسلة: لا أمن بلا عدالة ولا سلام بلا سيادة

 

لقد بدأنا هذه السلسلة من سؤال السيادة السودانية في مواجهة خطر المسيرات، وانتقلنا إلى مسؤولية الجوار وذاكرة العلاقات التاريخية، ثم إلى حق السودان في المطالبة بالتعويض عن الأضرار، وناقشنا أبعاد الموقف الدبلوماسي، لنصل في هذا الباب الأخير إلى مسؤولية مجلس الأمن الدولي.

 

وها نحن نضع النقطة الأخيرة في هذه السلسلة، دون أن نضع نهاية لحق السودان في المطالبة بالعدالة، أو لواجبنا في الدفاع عن الوطن بالكلمة الصادقة والموقف المسؤول.

 

إننا لا نريد للسودان حرباً مع إثيوبيا، ولا خصومة مع شعبها، ولكننا نريد علاقات تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وصيانة الحدود، وحسن الجوار.

 

ونريد من مجلس الأمن أن يكون مجلساً للأمن لا مجلساً للا أمن، وأن يكون حارساً للعدالة لا شاهداً على انتهاكها، وأن تكون قراراته جسراً إلى السلام لا أوراقاً تتراكم في أرشيف المؤسسات الدولية.

 

فالسودان ليس أرضاً بلا أهل، ولا وطناً بلا إرادة، ولا دولة بلا سيادة.

 

سيظل السودان وطناً عزيزاً، وسيظل شعبه متمسكاً بحقه في الحياة والأمن والكرامة، وستظل كلمتنا منحازة إلى الوطن، مدافعة عن وحدته وسيادته وسلامة أراضيه.

 

وإذا كان العالم قد تأخر في سماع صوت السودان، فإن التاريخ لا يتأخر في تسجيل المواقف، ولا ينسى من وقف مع الحق، ولا من خذل المظلوم.

 

حفظ الله السودان، أرضاً وشعباً وجيشاً، ورد كيد المعتدين، وألّف بين قلوب أبنائه، وجعل له من كل ضيق مخرجاً ومن كل بلاء عافية.

 

والله أكبر، والعزة للسودان، والخلود لشهدائه الأبرار.

 

أبوعبيدة أحمد علي عباس

 

رؤية وطنية

نكتب للوطن ونفكر للمستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى