مقالات الظهيرة

ما عرفنا نقرأ الامتحان : عندما تكون القراءة اختيارا للمادة قبل الامتحان

بقلم الدكتور/ أبو عبيدة محمد عثمان محي الدين:

كانت عبارة سمعتها من بعض التلاميذ كافية لأن تجعلني أتوقف طويلًا

حدثني بعض الأساتذة عن ملاحظة مقلقة بدأت تظهر عند عدد من تلاميذ الصف السادس بالمرحلة الابتدائية أثناء امتحانات الدخول إلى المرحلة المتوسطة إذ إن بعضهم لا يستطيع قراءة سؤال الامتحان قراءة صحيحة.

في البداية لم أصدق أن يصل تلميذ إلى الصف السادس ثم يقف أمام سؤال ويقول ( ما عرفنا نقرأ ) . لكنني لم أستطع تجاوز الأمر، فذهبت بنفسي إلى عدد من المدارس في محليات مختلفة للوقوف على المشكلة بصورة مباشرة.

وكانت المفاجأة أن المشكلة موجودة فعلًا عند عدد من التلاميذ.

جلست مع بعض التلاميذ والتلميذات وحاولت الاقتراب من جذور المشكلة بعيدًا عن الحكم السريع وتحميل المسؤولية لطرف واحد. وبدأت اتسأل

أين المشكلة؟

هل هي في المعلم…؟ أم في ضعف الرغبة في المهنة….؟

هل هي في الطالب…؟ أم في المنهج…؟

هل أثرت الحرب والنزوح في العملية التعليمية…؟

هل للبيئة المدرسية دور…؟

أم أن المشكلة نتيجة تراكم كل هذه العوامل….؟

اتضح لي أن المشكلة ليست واحدة عند الجميع.

فبعض التلاميذ لا يعرف شكل الحرف الذي ينطقه وبعضهم عندما يسمع الحرف يتوقف محاولًا تذكر شكله وقد يكتب الحرف ثم يحذفه ويعيد كتابته حتى يصل إلى الشكل الصحيح. وهناك من يعرف الحرف عندما يسمعه لكنه يجد صعوبة كبيرة في رسمه وكتابته.

وهنا يجب أن نتوقف

ليس من العدل أن نصفه مباشرة بالضعف. فقد تكون لديه صعوبة في التعلم أو فجوة تعليمية أو مشكلة في اكتساب مهارات القراءة والكتابة أو آثار نفسية وتعليمية مرتبطة بالظروف التي مر بها.

لذلك نحتاج إلى الفهم والتشخيص والتدخل المبكر بدلًا من الاكتفاء باللوم.

أما الحساب فهناك مشكلة أخرى إذ يكتب بعض التلاميذ الأرقام بصورة معكوسة ويجدون صعوبة في التمييز بين بعض الأعداد وقد لا يفرق بعضهم بين أعداد متقاربة أو يكتب العدد بصورة معكوسة وهذه الأخطاء لا ينبغي أن تُفسر دائمًا بالإهمال أو ضعف المذاكرة فالخطأ المتكرر يحتاج إلى فهم قبل الحكم عليه.

ومن أكثر الملاحظات إثارة للانتباه ما ذكره بعض المعلمين إذا كان الامتحان شفويًا فإن معظم التلاميذ ينجحون لكن عندما يكون تحريريًا يرسب بعضهم وقد يصل العدد في بعض الحالات إلى نصف الفصل.

وهنا يبرز لاذهاننا السؤال التالى

هل التلميذ لا يعرف الإجابة أم أنه يعرفها لكنه لا يستطيع الوصول إليها بسبب صعوبة قراءة السؤال أو فهمه أو كتابته…..؟

وهذه نقطة جوهرية لأن الامتحان قد يتحول في بعض الحالات من اختبار للمادة إلى اختبار للقراءة.

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية أنه لم يستطع قراءة السؤال أصلًا.

ولا يمكن أن نتجاهل أثر الحرب والنزوح في التعليم. فقد انقطع كثير من الأطفال عن الدراسة وانتقلوا بين المدارس والمناطق وفقد بعضهم الاستقرار الذي يحتاجه الطفل للتعلم بصورة طبيعية.

فبعض المشكلات قد تكون أقدم من الحرب وربما جاءت الحرب لتزيدها وضوحًا وعمقًا.

لذلك نحن بحاجة إلى تشخيص حقيقي لا إلى اتهامات.

واذا اردنا محاصرة و معالج هذه الظاهرة لابد التحرك في عدة مسارات :

أولًا: تدريب المعلم باستمرار

خصوصًا معلمي الحلقة الأولى في خصائص النمو النفسي والعقلي للطفل وطرق تعليم القراءة والكتابة ومؤشرات صعوبات التعلم والفروق الفردية وطرق التعامل مع الطفل المتأخر في اكتساب المهارات.

فالمعلم الذي يفهم نفسية الطفل يستطيع أن يرى المشكلة قبل أن تكبر وإن بختار من بين المعلمين بعناية.

ثانيًا: إعادة النظر في منهج الحلقة الأولى

وخاصة الطريقة التي تقدم بها الحروف والأصوات والقراءة والكتابة فالطفل لا يتعلم الحرف بالحفظ وحده؛بل يحتاج إلى أن يراه ويسمعه وينطقه ويكتبه ويربطه بحياته اليومية.

ثالثًا: تنويع الأنشطة التعليمية

بحيث يتعلم الطفل الحرف من خلال رؤيته وسماع صوته،ونطقه وتمييزه وكتابته واستخدامه في كلمة وربطه ببيئته وحياته.

رابعًا: الاستفادة من التكنولوجيا

يمكن استخدام الهاتف والإنترنت والوسائل التعليمية التفاعلية لتدريب الطفل على رؤية الحرف وسماع نطقه وكتابته خاصة في الظروف التي يعيشها التعليم السوداني.

خامسًا: الاستعانة بمتخصصي صعوبات التعلم

فليس كل طفل يعكس حرفًا أو رقمًا لديه صعوبة تعلم، وليس كل طفل يتأخر في القراءة يعاني المشكلة نفسها. لذلك نحتاج إلى تقييم متخصص للحالات التي تستدعي ذلك ووضع برامج تدخل مناسبة.

عندما يصل طفل إلى الصف السادس ولا يستطيع قراءة سؤال الامتحان بصورة صحيحة، فعلينا جميعًا أن نتوقف

المعلم، المدرسة، الأسرة، والوزارة

فالطفل الذي لا يستطيع قراءة السؤال اليوم ربما كان يحتاج إلى تدخل بسيط قبل سنوات وما نراه في الصف السادس قد يكون مشكلة بدأت في الصفوف الأولى ولم يلتفت إليها أحد.

وهنا يعنى خلل في المنظومة التعليمية

وإن مسؤولية إنقاذ القراءة في المرحلة الابتدائية ليس مسؤولية معلم واحد ولا مدرسة واحدة،وإنما مسؤولية منظومة تعليم كاملة.

فالقراءة ليست مادة دراسية فحسب إنها المفتاح الذي يدخل به الطفل إلى كل المواد وكل المعرفة.

وإذا فقد الطفل هذا المفتاح في سنواته الأولى فلن تتوقف المشكلة عند اللغة العربية بل قد تمتد إلى الحساب والعلوم وسائر المواد ثم ترافقه إلى المرحلة المتوسطة والثانوية.

ولهذا فإن إصلاح الحلقة الأولى من التعليم اليوم قد يكون من أهم الاستثمارات في مستقبل التعليم السوداني كله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى