(كلام ترابلة) عزيزة المعراج تكتب…. خضر جبريل.. حين حرست المهنيةُ ترابَ الوطن!!

في تاريخ الأمم محطاتٌ فارقة، لا يصنعُها الضجيج العابر أو المناصب الزائلة، بل يخطّ حروفَها رجالٌ استثنائيون، آمنوا بأن المسؤولية عقيدة، وأن الوظيفة تكليفٌ لا تشريف. ومن بين هؤلاء الأنقياء الذين تفتقدهم الساحة اليوم، يبرز اسم الراحل المقيم المهندس خضر جبريل؛ ذلك الرجل الذي لم يكن مجرد مسؤولٍ عابر في دهاليز الإدارة، بل كان شهاباً يضيء عتمة التردد، وفناراً هادياً في أمواج الضغوط والتحديات.
عرفتْه المحافلُ رجلاً ذا كاريزما طاغية، وقوة شخصية تهابُها المواقف ولا تهابُها الصعاب. كان خضر جبريل طرازاً فريداً في الاداريين وكان الرجل “الأمة” لا يداهن، ولا ينحني لعواصف الترغيب، ولا يغريه بريق منصب أو جاه. جمع بين صرامة القائد وعفة اليد واللسان، فكانت كلمته سيفاً قاطعاً في الحق، ونزاهته درعاً لم يدنسه طموحٌ زائف.
لم يكن يبحث عن رضا رؤسائه بقدر بحثه عن سلامة تراب هذا الوطن وأمنه القومي، خاصة في مجاله الذي عشق وتخصص فيه: الزراعة السودانية ووقاية نباتها.
إن التاريخ المهني والوطني للراحل يتلخص في موقفٍ بطولي سيظل محفوراً في ذاكرة الأجيال؛ موقفٌ يجسد كيف يمكن للفرد الواحد، المسلح بالحق والمهنية، أن يقف سداً منيعاً لحماية ثروات بلاده.
حينما أطلّتْ برأسها كارثةٌ هددت النخيل في شمال السودان، إثر استيراد فسائل نخيل مصابة بمرض “البيوض” الفتّاك من دويلة الإمارات، انقسم المشهد إلى قسمين :
• سلطةٌ وزارية عليا: حاولت تمرير الكارثة وتحدت كل التقارير الفنية والمخبرية.
• عالمٌ غيور: وقف مستنداً إلى نتائج المعامل المحلية والخارجية التي أكدت الوباء.
في تلك اللحظة التاريخية، لم يختر خضر جبريل السلامة أو الصمت المهادن. لم يبالِ بالهيكل الوظيفي ولا ببطش “السلطة الأعلى” المتمثلة في وزير الزراعة آنذاك. تحرك بجرأة وشجاعة قلّ نظيرها، عازماً على إبادة الفسائل المصابة، رافعاً شعاره الخالد بلسان الحال (ومحل رهيفة تنقد)؛ مفضلاً مصلحة البلاد وسلامة نخيل الشمالية ومستقبل مزارعيها على كرسيه واستقراره الوظيفي.
“لقد كان استهداف الدويلة بدأ لثروات البلاد مبكراً، لكن خضر جبريل كان حائط الصد الأول الذي تكسرت عنده كل المحاولات العابثة، متصدياً وحده لكارثة حقيقية كادت أن تقضي على شريان الحياة في الشمال.”
رحل خضر جبريل، وجسّد برحيله معنى أن يموت الجسد وتبدأ السيرة. لم يترك خلفه عقاراتٍ أو ثروات، بل ترك ما هو أغلى وأبقى: شرفاً مهنياً باذخاً، واسماً يُذكر فيُرفع له القبعات إجلالاً.
إننا إذ ننعي هذا الرمز، فإننا نحتفي بالقيم التي عاش من أجلها
من الشجاعة في اتخاذ القرار والعزة في الحق وتغليب المصلحة الوطنية على الولاءات الضيقة. و النزاهة الفكرية والمهنية و الاستناد إلى العلم والمعمل لا إلى الأوامر والتعليمات الفوقية.
والعفة والزهد والعيش بضمير مستريح والرحيل بأيدي بيضاء.
ٱخر الكلام
رحم الله المهندس الشجاع خضر جبريل، بقدر ما أسدى لهذا البلد من وفاء وإخلاص، وبقدر ما كان حريصاً على وقاية نباتنا وأرضنا. سيبقى اسماً محفوراً في وجدان كل مزارع، وفي تاريخ كل مهندس زراعي شريف يرى في “خضر” القدوة والمنارة التي لا تنطفئ.



