مقالات الظهيرة

(قعقعة الحروف) د. عمر الفاروق حسن صالح قيلي يكتب… الإرهاب الرقمي واختراق الوعي حين تتحول الميديا الاصطناعية إلى سلاح لتزييف الحقيقة

*الحلقة الرابعة*

*لم يعد الحسد مجرد نظرة حاقدة، أو همسة في ممرات المؤسسات، أو مؤامرة تُحاك خلف الأبواب المغلقة؛ فقد دخل عصرًا جديدًا، وامتلك أدوات لم تكن تخطر على بال أحد. اليوم يستطيع الحاسد أن يصنع لك صوتًا لم تقله، وصورةً لم تكن فيها، ومشهدًا لم يحدث أصلًا، ثم يقدمه للناس وكأنه حقيقة!هنا تبدأ الخطورة. فمع انتشار تقنيات الميديا الاصطناعية ، والتزييف العميق أصبح بالإمكان إنتاج مقاطع صوتية ومرئية شديدة الإقناع، تُستخدم لتشويه صورة القيادات والرموز والشخصيات العامة، أو ضرب سمعة المؤسسات، أو إشعال الخصومات، أو صناعة رواية زائفة تُقدَّم للجمهور على أنها واقع. إنها ليست مجرد كذبة عابرة؛ إنها صناعة متعمدة للواقع الوهمي.*

*والأخطر من ذلك أن المعركة لم تعد تدور حول ما تراه العين أو تسمعه الأذن فحسب، بل انتقلت إلى العقل نفسه؛ إذ يمكن للمحتوى المفبرك أن يستهدف الانفعال والخوف والغضب والتحيز قبل أن يمنح العقل فرصة السؤال: هل ما رأيته حقيقي؟*

وهنا يظهر مفهوم يمكن أن نطلق عليه (الصحافة الدماغية) أي صناعة المحتوى بطريقة تستهدف طريقة استقبال الإنسان للمعلومة والتفاعل معها، بحيث يصبح التأثير النفسي أسرع من التفكير النقدي.

وهنا يمكن أن يتحول الحسد الوظيفي أو المجتمعي أو السياسي من سلوك فردي خفي إلى منظومة رقمية قادرة على تعبئة الجماهير، وإسقاط سمعة الناجحين، وتشويه الرموز، وزرع الشكوك، وتغذية الانقسامات.

فإذا كان الحاسد بالأمس يحتاج إلى مجلسٍ صغير ليبث سمومه، فإن الحاسد اليوم قد يحتاج فقط إلى هاتف، وحساب مجهول، وأداة ذكاء اصطناعي!

وعندما تُسخَّر الخوارزميات لصناعة الأكاذيب، وتُوظَّف الميديا الاصطناعية لتصفية الحسابات، يصبح الأمر أقرب إلى إرهاب رقمي ناعم؛ لا يطلق رصاصة، لكنه قد يقتل السمعة، ويهدم الثقة، ويفكك المؤسسة، ويشوّه الوعي العام.

لذلك لم تعد مواجهة هذه الظاهرة مسؤولية الصحافة وحدها، ولا المؤسسات الأمنية والقانونية وحدها، بل أصبحت مسؤولية المؤسسة والأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمجتمع؛ لأن حماية الحقيقة تبدأ من بناء إنسان لا يصدق كل ما يرى، ولا يشارك كل ما يصله، ولا يسمح للخوارزمية بأن تفكر نيابةً عنه.

*ففي زمن أصبح فيه بالإمكان أن تُزوَّر الصورة، ويُقلَّد الصوت، ويُفبرك المشهد… يصبح السؤال الأخطر ليس: ماذا رأيت؟ بل: من أرادك أن ترى هذا؟ ومن المستفيد من تصديقك له؟*

*وهنا نواصل في (قعقعة الحروف) الطرق على أبواب الوعي؛ لأن أخطر ما قد يحدث للمجتمع ليس أن تنتشر الأكاذيب، بل أن يفقد الناس القدرة على التمييز بين الحقيقة والكذبة. وللحديث بقية… فالقادم أخطر عندما لا يعود التزييف يستهدف الصورة والصوت فقط، بل يبدأ في صناعة عقلٍ يصدق الكذبة قبل أن يبحث عن الحقيقة.*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى