مقالات الظهيرة

(قبل المغيب) عبدالملك النعيم احمد يكتب… تدهور الخدمة المدنية…التعيين والترقيات بالعلاقات الشخصية…إلي متي؟؟

لم يكن ما أصاب الخدمة المدنية من تدهور وتراجع بحديث عهد وإنما للأسف ظلت ممارسات قديمة برعت فيها حكومة الإنقاذ بصورة واضحة عندما بدأت بتعيين وكلاء الوزارات تعييناً سياسياً ثم تعيين المحافظين دع عنك تعيين الوزراء ومديري الشركات الحكومية فمعظم هذه التعيينات.

كان يتجاوز العاملين في المؤسسة المعنية وزارة كانت أم شركة ويأتي بوكيل الوزارة من خارجها وهو بالطبع لم يكن من الذين تدرجوا في الوظائف داخل الوزارة حتي وصل قمة الفريق الاداري فيها ليكون جديراً بالمنصب وفي تقديري هذا هو الشيئ الطبيعي الذي كان يجب أن يحدث…ولكنه للأسف لم يحدث…

فإن إتبعت الحكومات السابقة والحالية أياً كان توجهها المعايير المطلوبة في التعيين للوظائف العليا بما فيها الوزراء وراعت قوانين ومتطلبات الترقيات حسب الأحقية والأولية فكان يمكن لها ان تحقق جملة أهداف أولها تحقيق الرضاء الوظيفي للعاملين ثم تحفيزهم للمزيد من الانتاج والتفاني في العمل بغية الإرتقاء للأعلي ثم أن وكيل الوزارة او المدير الذي يأتي من صلب المؤسسة يكون له الدراية الكاملة بتفاصيلها ومعرفة تامة بمنسوبيها مما يجعلهم يتعاونون معه لتطوير المؤسسة لأن القادم من خارج الوزارة أو المؤسسة أيا كان فلا بد أنه سيصطدم بالكثير من العقبات أما القادم من خارج السودان والذي قضي نصف عمره بالخارج فهذا أمره عجب وسيكون الفشل حليفه إلا من رحم ربي ولعل الشواهد كثيرة …فلو اتبعت الحكومات المؤسسية في التعيين والترقي وراعت المعايير المطلوبة وابتعدت عن تأثير العلاقات الشخصية (وزولي وزولك) وقريبي وصديقي..؟؟

لما وصل حال الخدمة المدنية لما هو عليه حالها الآن من تدهور وإنهيار… فلا تتخذوا من الحرب ذريعة لحال الخدمة المذري اليوم صحيح أن الحرب قد أثرت ولكن عوامل التدهور كانت سابقة زادتها الحرب سوءا بتقريب الأصحاب والمعارف وبالإبقاء علي اصحاب الحظوظ من الموظفين يتقاضون الملايين وزملاءهم الذين يفوق عددهم ال 80% من العاملين يتقاضون فتات المرتب ويشتكون من وضعهم الحالي رغم ان أغلبهم يفوقون زملائهم المحظوظين الذين يديرون مؤسسات الدولة الآن خبرة وتأهيلاً فبالرغم من مرور عام علي عودة حكومة كامل ادريس الي الخرطوم فلاحياة لمن تنادي فإن لم تكن الممارسات السالبة والتجاوزات قد زادت فإنها لم تنقص….

لعل مناسبة مقال اليوم هو خير شاهد لما نقول…

فمناسبة حديث اليوم هو القرار الذي أصدره رئيس مجلس الوزراء دكتور كامل إدريس والذي قضي بترقية السفير بدر الدين محمد علي الجعيفري الي سفير بالدرجة الثانية الخاصة ثم نقله سفيرا للسودان بأيرلندا وعلي الجهات المختصة تنفيذ القرار….انتهي

جملة ملاحظات ومآخذ علي هذا القرار الذي أول ما تقرأه فيه هي المحاباة والمحسوبية وتأثير العلاقات الشخصية علي العمل العام والتجاوز الكبير لقوانين الخدمة المدنية والذي يعتبر رئيس مجلس الوزراء هو المسؤول الأول عن الحفاظ عليها للأسف…لماذا خرج كاتب المقال بهذه الخلاصة؟ ؟؟

لأن رئيس الوزراء عندما جاء بفريق مكتبه في مجلس الوزراء بالسفير الجعيفري مديرا تنفيذيا لمكتبه وبالدكتور حسين الحفيان سكرتيرا شخصياً له وببقية أعضاء المكتب فأن جميعهم لم يكن لهم سابق خبرة في هذا المجال رغم ان الأمانة العامة لمجلس الوزراء بها الكثيرون من اصحاب الخبرة وأن هؤلاء القادمين الجدد لم يعرفهم أحد والأهم من ذلك ان السفير بدر الدين الجعيفري الذي لم ألتق به ولم يكن لي معه من شيئ سوي المعرفة العامة والحديث من منطلق الحرص علي احترام قوانين الخدمة المدنية فالنقد هنا للقرار نفسه بغض النظر عن الأشخاص فقد كان السفير نائبا لرئيس البعثة في جنيف وعرفه رئيس الوزراء عندما كان مديرا للمنظمة العالمية للملكية الفكرية بجنيف(الوايبو) والذي للأسف إنتهت فترة عمله فيها بغير ما هو متعارف عليه وهذا أمر آخر…

فصدور قرار خاص بترقية مدير مكتبه السابق ونقله سفيرا بايرلندا ليس من القرارات التي يجب أن تمر هكذا أو تحسب في ظل القرارات العادية وذلك لجملة أسباب أولها ان السفير المحظوظ له دفعة وزملاء في الخارجية فإن كان من ترقيات فالواجب أن تشمل معه آخرين كثر وأن تكون الترقية بعد توصية من وكيل الوزارة بوصفه المسؤول المالي والأداري الأول في الوزارة وذلك حسب الاستحقاق الوظيفي هذا أولا وثانيا فإن امر شغل المناصب في بعثاتنا الدبلوماسية بالخارج معلوم أنه شأن داخلي يتم حسب برنامج الوزارة بالتنسيق مع الجهازين التنفيذي والسيادي وأحقية السفراء حسب الأقدمية والأولوية ومناسبة مقر البعثة واهميتها لمن يتم تعيينه فيها فهل راعي قرار رئيس مجلس الوزراء كل ذلك؟ ام ان المعرفة والعلاقة الشخصية جبًتْ ما سواها من معايير؟؟ وثالثا إني علي المستوي الشخصي أعرف عشرات السفراء المميزين والذين مازالوا بالخدمة وحتي اولئك الذين تقاعدوا بالمعاش الإجباري كان أم بالفصل التعسفي فهم مازالوا قادرين وأكثر تأهيلاً لملء مناصب رئاسة البعثات الدبلوماسية بالخارج والتي معظمها للأسف مازال شاغراً أو يشغله دبلوماسيون أقل خبرة بعد أن أجلست لجنة تمكين قحت معظم السفراء المؤهلين علي مقاعد (العطالة) دون وجه حق.

ولم تفلح حكومة كامل إدريس في رد إعتبارهم وحقوقهم المهضومة والبعثات الدبلوماسية بالخارج في أمس الحاجة لخبراتهم ولعل ما حدث للسودان من ظلم وتجني خارجيا لهو خير دليل علي الفراغ الذي أحدثته لجنة ود الفكي ووجدي صالح في ملف الخارجية وفي الخدمة المدنية عامة وقد عجزت حكومة ما بعد حمدوك عن معالجة هذا الخلل لفترة ليست بالقصيرة إلي إن جاء السفير الدكتور علي يوسف الشريف فور تعيينه وزيرا للخارجية وإستأنف بداية عمله ببرنامج طموح ومدروس لأحياء البعثات الدبلوماسية بالخارج ولرد اعتبار السفراء المظلومين وتنشيط العمل الدبلوماسي داخل الوزارة وفي البعثات بالخارج استناداً علي خبرة وتجربة طويلة لأكثر من خمسين عاماً وبحس وطني عالٍ إلا أنه للإسف غادر المنصب مستقيلاً لعدم ملاءمة الظروف التي يريدها لإنفاذ برنامجه فضاعت بمغادرته فرصة ثمينة كانت جديرة بإنقاذ الدبلوماسية السودانية فخسر الوطن وزيراً مميزا وصاحب كاريزما قل أن تتوفر في هذه الظروف فقد عمل رئيساً لبعثات السودان في كل من بلجيكا وحاضرتها بروكسل مقر الاتحاد الأوربي سفيراً فوق العادة ومندوباً للسودان

لدي الاتحاد الأوروبي ثم الصين حيث شهدت فترة عمله فيها نشاطاً كبيراً ونقلة نوعية مشهودة للعلاقات السودانية الصينية حيث شهدت الفترة استغلال بترول السودان عبر جهوده مع الشركات الصينية ثم سفيراً في جمهورية جنوب افريقيا لما لها من تأثير في المحيط الأفريقي فضلا عن عمله في عدد من البعثات بالخارج ومديراً لعدد من الادارات داخل الوزارة.. حيث لا يجدي البكاء علي اللبن المسكوب …لذلك نقول إن قرار دكتور كامل ادريس غير المدروس وهو موضوع مقال اليوم انما جاء ليعيد للذاكرة قرارات أضرت كثيراً بالخدمة المدنية…

فهناك عشرات السفراء المؤهلون منتشرون الآن من غير عمل في كل من القاهرة والرياض وعواصم الخليج والسعودية ولندن وامريكا وفرنسا وبورتسودان والخرطوم وغيرها من دول العالم وهم أتم الإستعداد لتلبية نداء الوطن والواجب واكثر تأهيلا للقيام بالمهام المطلوبة فمتي ينتبه رئيس الوزراء لهؤلاء ويستفيد منهم ومن خبراتهم؟؟ ومتي تتجاوز الحكومة عقدة العلاقات الشخصية في التعيين والترقيات لإعادة هيبة الخدمة المدنية من جانب ولإنقاذ الوطن من الجانب الآخر ؟؟ ومتي يحرص من هو مسؤول عن المحافظة علي القوانين أن يبدأ بنفسه؟؟(إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم)…ولن ينصلح حال البلاد والعباد إن لم يسد حكم القانون وتسود العدالة بين الجميع في الحقوق والواجبات….

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى