عودة إلى القصر.. البرهان في ليلة العيد 72 يعلن نهاية حقبة وبداية سيادة…. قراءة استراتيجية في دلالات عودة القائد العام للقصر الجمهوري وتحرير الخرطوم

سلسلة مقالات السودان أولاً – قراءات استراتيجية
بقلم/ الدكتور محمد عوض محمد متولي
المحلل والاكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات
*أغسطس 2026م*
_______________
في التاريخ العسكري للأمم لحظات لا تُقاس بالساعات، بل تُقاس بالأثر. وفي ليلة العيد الثاني والسبعين للقوات المسلحة السودانية، كانت تلك اللحظة هي عودة السيد الفريق أول عبدالفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة إلى القصر الجمهوري في الخرطوم. عودةٌ لم تكن بروتوكولية، بل كانت إعلاناً ميدانياً وسياسياً ورمزياً بأن معادلة السيادة قد تغيرت، وأن الدولة استعادت قلبها النابض.
إن دلالة المشهد تتجاوز الصورة. فالقصر الجمهوري ليس مبنىً من الحجر والرخام، بل هو عنوان الشرعية ومقر السيادة ومصنع القرار منذ استقلال السودان 1956م. وعندما وقف القائد العام داخله في 13 أغسطس 2026م، معلناً أن الخرطوم “حرة” بعد تحرير جنوب وشرق العاصمة واكتمال عقد التحرير، كان يخاطب ثلاثة جمهورات في آن واحد: الشعب السوداني المنهك بالحرب، القوات المسلحة المرابطة في الميدان، والمجتمع الدولي الذي تابع وصوله عبر أول رحلة يستقبلها مطار الخرطوم منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م.
تحليلياً، يمكن قراءة هذه العودة على ثلاثة مستويات متداخلة:
أولاً: المستوى العسكري الميداني. وصول البرهان إلى القصر جاء بعد سلسلة انتصارات متسارعة أدت إلى انهيار سريع لميليشيا الدعم السريع في محيط العاصمة وتفرغها نحو الأطراف الجنوبية. الزيارة لمطار الخرطوم والقصر الجمهوري وتفقد القوات المنفتحة فيهما مثلت رسالة واضحة للجنود بأن القيادة في الصفوف الأمامية، وهو ما يرفع الروح المعنوية ويمكن من تنفيذ مراحل لاحقة لمطاردة فلول التمرد. كما أن تأمين المطار وعودته للخدمة مؤشر استراتيجي على استعادة السيطرة على الشريان الجوي للعاصمة.
ثانياً: المستوى السيادي والرمزي. القصر الجمهوري هو حيث “صنع الأجداد الاستقلال بدمائهم” كما قال البرهان في كلمة سابقة. العودة إليه في ليلة العيد 72 تربط بين معركتين: معركة 1956م ضد الاستعمار، ومعركة 2023-2026م ضد التمرد. هي تأكيد أن الدولة لم تسقط، وأن مؤسساتها المركزية عادت للعمل، وأن الخطاب الرسمي انتقل من “الصمود” إلى “التحرير وإعادة البناء”. وقد أعلنها البرهان صراحة: الخرطوم أصبحت حرة.
ثالثاً: المستوى السياسي والوطني. التوقيت مدروس بعناية. فهو يأتي مع انطلاق فعاليات العيد 72 للقوات المسلحة على مستوى الولايات تحت شعار “جيش منتصر.. وشعب مقتدر”، ويأتي أيضاً في لحظة يبحث فيها السودان عن مخرج سياسي. لقد كرر البرهان في خطابات سابقة أن “أبواب المصالحة الوطنية مازالت مشرعة”، وأن القوات المسلحة “لن تنحاز إلى طرف بعينه، ولكنها ستنحاز لخيارات الشعب السوداني وحده”. من داخل القصر، يصبح هذا الخطاب أكثر وزناً، لأنه يصدر من موقع السلطة الفعلية لا من موقع المواجهة.
الأرقام تقول إن السودان دفع ثمناً باهظاً. لكن المشهد يقول أيضاً إن الجيش الذي تأسس في 1925م وسودن في 1954م، والذي خاض حروباً إقليمية ودولية، قادر على استعادة المبادرة عندما تتوحد العقيدة مع الإرادة الشعبية. وتكريم مراكز التدريب مثل مركز تدريب اللواء 75 في دنقلا الذي انطلقت منه احتفالات العيد 72 يؤكد أن المعركة القادمة هي معركة بناء المقاتل المحترف والمؤسسة المهنية.
إن عودة البرهان إلى القصر في ليلة العيد 72 تعني أكثر من انتصار عسكري. تعني أن السودان استرد رمزه. تعني أن “معركة الكرامة” التي حيا تضحياتها قد انتقلت من مرحلة الدفاع إلى مرحلة تثبيت الدولة. وتعني أن التحدي الآن هو تحويل هذا الزخم إلى مشروع وطني: جيش موحد مهني، وحوار سوداني خالص لا وصاية فيه ولا إملاءات، وخطة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
الخاتمة: في السياسة، الرموز تصنع الوقائع. وفي الاستراتيجيات، التوقيت يصنع التاريخ. بعودته إلى القصر الجمهوري في ليلة العيد، لم يستعد البرهان مبنىً فقط، بل استعاد للسودانيين إحساساً غائباً منذ عامين: إحساس أن الدولة موجودة، وأن العاصمة عاصمة، وأن السيادة ليست شعاراً بل عنواناً في قلب الخرطوم. الرحمة للشهداء، والشفاء للجرحى، والعزة للسودان.



