علاء الدين محمد أبكر يكتب: مافي زول بعرف أحسن من الحكومة!!
“مافي زول بعرف أحسن من الحكومة” مقولة كانت تتردد في العهد الخديوي المصري كلما وقعت حادثة وتساءل الناس عن تفاصيلها. المعنى واضح: الحكومة لديها مؤسسات وأجهزة أمنية قادرة على الوصول إلى المعلومة في ظرف يوم واحد، فلا داعي للتخمين والاجتهاد غير المستند.
في ذلك الزمن اعتمدت الحكومة الخديوية على نظام هرمي منضبط. كان هناك شبكة من البصاصين والعيون والمخبرين، عناصر تعمل في الخفاء وسط الناس، تمارس مهناً هامشية وتكون عينها مفتوحة على ما يدور. مهمتهم نقل ما يحدث إلى الجهات المختصة، أو البحث فيما يُكلفون به من جمع معلومات وتقصٍّ عن حادثة بعينها. كل مديرية ترفع ما لديها إلى نظارة الداخلية، وهو الاسم الذي كان يُطلق على وزارة الداخلية حينها، قبل أن يستبدل لقب “ناظر” بلقب “وزير” بعد الحرب العالمية الأولى.
نعود إلى المقولة نفسها، لكن في سياق عصرنا الحالي. وسائل جمع المعلومات تطورت، وأصبح لكل مؤسسة ناطق رسمي أو مكتب إعلامي يكون لسان حالها ويوضح موقفها ويجيب على استفسارات الرأي العام. وجود هذه القنوات الرسمية كان يجب أن يضع حداً للفوضى الإخبارية.
لكن الواقع يقول غير ذلك. هناك جهات وأفراد يحاولون التغول على صلاحيات المؤسسات ويتحدثون بلسانها دون تفويض. ينشرون تفاصيل دقيقة، يفسرون قرارات، ويعلنون إجراءات قبل أن تصدر من مصدرها الرسمي. هذا السلوك يعرضهم للإحراج حين تتضارب روايتهم مع الرواية الرسمية، وأحياناً يدخلهم في مشاكل قانونية معقدة تنتهي بالسجن أو الغرامة.
المسائل الحكومية لا تدخل ضمن حرية التعبير المطلقة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأمن، والقضاء، والسياسة الخارجية، والشؤون الفنية التي تحتاج إلى دقة وتوقيت. الحديث فيها دون إذن يخلق بلبلة، ويضر بالمصلحة العامة، ويمنح مساحة للإشاعة أن تنمو.
القاعدة بسيطة وواضحة: من أراد أن يتناول الخبر الحكومي فليأخذه من مصدره الرسمي فقط. الناطق الرسمي، البيان المكتوب، المؤتمر الصحفي، هي القنوات التي تخولها الدولة للحديث باسمها. ما عدا ذلك يبقى اجتهاداً شخصياً لا قيمة قانونية ولا مهنية له.
المقولة القديمة لم تفقد صلاحيتها. “مافي زول بعرف أحسن من الحكومة” ليست دعوة للتسليم الأعمى، بل تذكير بأن المعلومة الدقيقة لها طريق واحد: المؤسسة المختصة. احترام هذا الطريق يحمي المواطن، ويحمي المؤسسة، ويحفظ الدولة من الفوضى.
علاء الدين محمد ابكر
alaam9770@gmail.com



