مقالات الظهيرة

علاء الدين محمد أبكر يكتب : عندما يُراق ماء الوجه بسبب الحاجة والفقر!!

ما أوجعها من لحظة… وما أقسى ذلك الشعور الذي ينخر في عظم الإنسان كالسوس، حين تقف الكرامة على حافة الهاوية، والحياء يتصارع مع الجوع، والعزة تنزف قطرةً قطرةً حتى تجف.

“ماء الوجه” ليس ماءً يُسكب، بل هو روح تُذبح، وكبرياء يُدفن حياً، وجبينٌ كان شامخاً يلامس التراب لأول مرة. هو ذلك الستر الرقيق الذي يفصل بين الإنسان وبين الانكسار الأبدي. فإذا انسكب، سالت معه كل معاني الرجولة، وتبخرت كل سنين الصبر، وتهاوى جبل الصمود الذي كان يحمله على كتفيه.

 

يا لمرارة المشهد

أن ترى أباً كان يمشي بين الناس مرفوع الهامة، تلمع عيناه بالعزة، وفجأة تراه واقفاً على بابٍ يُطرق، يتلعثم في الكلام، يتقطع صوته، وعيناه تهربان من عيون الناس كأنه ارتكب جرماً. أي جرم؟ جرمه أنه أب، وجرمه أن أطفاله جياع.

 

أن ترى أماً كانت تخبئ دمعها عن صغارها، وتُقسّم اللقمة الواحدة على خمسة أفواه وهي تبتسم، ثم تجدها آخر الليل تبكي بحرقة، لأن كرامتها انكسرت وهي تطلب من الجارة كسرة خبز… ليس لها، بل لطفلتها التي لم تنم من البكاء.

 

وأحياناً يكون الانكسار أشد… حين لا تطلب لنفسك

 

لدينا قطة صغيرة في البيت. روحٌ بريئة لا ذنب لها في قسوة الأيام. اعتادت المسكينة على أكل العدس والبليلة، لأننا لا نملك حليباً ولا بقايا لحم. كانت تنظر إلينا بعينيها الواسعتين، تموء بحزن، وكأنها تفهم أن اليد قصيرة والعين بصيرة.

 

ذات يوم، عزمت أمري وتوجهت إلى سوق السمك. لم أذهب لأشتري، فالجيب أفرغ من فؤاد أم موسى. ذهبت أطلب المستحيل… أطلب ما يُرمى أصلاً. وقفت أمام بائع الأسماك وقلبي يرتجف، وقلت له بصوت متهدج: “يا أخي… عندي قطة في البيت، هل يمكن أن تعطيني مخلفات وبقايا السمك التي تنظفونها؟”

 

لم يرد. لم ينظر إلي. كأني هواء، كأني غير موجود. أشاح بوجهه عني وكأنني طلبت منه كنوز الدنيا. والأدهى والأمرّ أن تلك المخلفات لا تصلح أصلاً لأكل البشر، بل حتى القطة تتجنب الكثير منها من شدة فسادها. هي زبالة… تُرمى للقطط الضالة في الشارع، أو تُكنس آخر النهار.

 

في تلك اللحظة، سالت من عيني دمعة ساخنة، أحرقت خدي. هل يعقل؟ هل وصلنا إلى هذا الدرك؟ أيعقل أن تصل بلادنا إلى أن يُهان الإنسان بسبب أوساخ وبقايا مخلفات السمك والدجاج؟ تلك التي كانت تُرمى للكلاب الضالة في الشوارع دون أن يلتفت إليها أحد، أصبحت اليوم حلماً، وأصبح السؤال عنها مذلة، والصمت عنها كرامة!

 

أحسست أني أصغر من حبة الرمل، وأن كرامتي تبعثرت مع قشور السمك على الأرض. لم أكن أطلب لنفسي، بل لروح ضعيفة لا تستطيع الكلام. فإذا كان هذا الرد على من يطلب الزبالة لقطة، فكيف بمن يطلب اللقمة لطفل؟

 

الحاجة نارٌ تأكل الأحياء

 

الفقر ليس مجرد جيب فارغ، الفقر نارٌ تلتهم الكلمات في الحلق قبل أن تخرج، نارٌ تحرق الكرامة وتترك رمادها على الوجه. يجعلك تشعر أنك صغير، ضئيل، لا قيمة لك. يجعلك تتمنى لو انشقت الأرض وابتلعتك قبل أن تنطق بكلمة “أحتاج”.

 

كم من ليلٍ طويل قضاه حرٌ يتقلب على فراشه، يتصب عرقاً ليس من الحر، بل من الفكرة وحدها… فكرة أن يذهب غداً ليطلب. يقوم، ويجلس، ويمشي، ويرجع، يحدّث نفسه: أأذهب؟ ألا أذهب؟ أيموت أطفالي أم تموت كرامتي؟ وأي الموتين أهون؟

 

ولكن…

 

رغم كل هذا الانكسار، يبقى في قلب الفقير المتعفف عزٌّ لا تشتريه كنوز الدنيا. يبقى فيه شموخٌ حتى وهو منحني الظهر. لأن الذهب الحقيقي لا يصدأ، والكريم يظل كريماً حتى لو نام على الرصيف.

 

فيا من ضاقت بك الدنيا حتى أجبرتك على السؤال: لا تنكسر أمام نفسك. فوالله ما ذلّ من قصده الناس، ولكن الذل كل الذل لمن منعه الله ثم منعه الناس. ارفع رأسك، فما زلت أنت… أنت الذي كنت، وبطهارتك، وبنقائك، وبدمعة عينك التي لم يرها أحد إلا الله.

 

ويا من أغناك الله: ترفّق. لا تكسر قلباً جاءك منكسراً. لا تطل النظر في وجه السائل فتزيده حرجاً. ضع عطاءك وابتسم وامضِ، كأنك أنت الذي أخذت، لا الذي أعطيت. فرب درهم سبق ألف درهم، ورب جبر خاطر رفعك عند الله درجات. ورب “زبالة سمك” تمنعها، تُسقطك من عين الله قبل عين الخلق.

 

اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، ولا تكسر لنا قلباً ولا تحنِ لنا هامة. اللهم اغننا بفضلك عمن سواك، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر. اللهم من ضاق به الحال فوسّع عليه، ومن انكسر خاطره فاجبره، ومن أُريق ماء وجهه فاستره بسترك الجميل الذي لا ينكشف.

 

علاء الدين محمد أبكر

alaam9770@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى