مقالات الظهيرة

عروة وثقى بين الشعب والجيش: ثباتٌ يكسر شوكة المليشيا ويصنع تاريخ أمة

بقلم / د. إسماعيل الحكيم :

إن المتأمل للمشهد السوداني الراهن، يدرك أن التاريخ لا يُكتب فقط بحبر الأحداث، ولكن يُصنع بمداد الدموع، والصبر، والبطولات الصامتة التي يسطرها إنسان هذا الوطن كل يوم.

فمن رحم المعاناة غير المسبوقة التي لم يشهد السودان قط لها نظيراً في جسامتها، تنبثق حقيقة ساطعة كالشمس: إن العلاقة بين المواطن السوداني وتلك المليشيا الإرهابية وأذنابها هي علاقة عكسية تامة؛ فكلما غاصت أدوات الخراب في التنكيل بالمدنيين واستهداف مقومات حياتهم، كالمحطات الكهربائية ومرافق الخدمات، وكلما ضاق الخناق على المعاش اليومي، ازداد المواطن صلابة، وارتفع وعيه الجمعي ليحيل الألم إلى وقود، والنكبة إلى ملحمة اصطفاف وطني خالص حول جيشه الباسل.

على السطح، تبدو أفعال المليشيا المتمردة واضحة المعالم، وهي تسعى من خلالها إلى تكسير الإرادة الشعبية.

فالاستهداف الممنهج لمحطات توليد الكهرباء، وقطع إمدادات المياه، وترويع الآمنين في القرى والمدن، لم يكن وليد صدفة، بقدرما هو استراتيجية خبيثة غبية تهدف إلى تجفيف منابع الحياة ودفع المواطن إلى حالة اليأس والانكسار، لتسهيل عملية التركيع والإخضاع. لكن القراءة الواعية لهذا المخطط تكشف عن بؤس رهان المليشيا ومن يقف خلفهم؛ فقد أحدثت هذه الممارسات أثراً عكسياً تماماً.

فبدلاً من أن ينفضَّ الشعب عن قواته المسلحة، زاد التلاحم واشتعلت جذوة الرفض الشعبي. لقد أدرك المواطن البسيط قبل النخبوي أن المستهدف الحقيقي ليس الطوب والحجر، إنما الكيان السوداني بأسره، وهويته، ووحدته. ومن هنا، تحولت محطات الكهرباء المدمرة إلى شواهد صدق على همجية المعتدي، وبات كل انقطاع للتيار يُقابل بنورٍ بصير في قلوب السودانيين، يضيء لهم طريق الثبات ويؤكد لهم صحة البوصلة نحو دعم الجيش.

أما في العمق، وبعيداً عن الأعين، فإن ما يجري في وجدان المواطن السوداني هو ثورة وعي أخلاقي واجتماعي نادرة. لقد سقطت الأقنعة تماماً، وأدرك الشعب بالفطرة الوطنية السليمة أن معركته الراهنة هي معركة وجود لا كينونة فحسب.

إن مساحات البغض والكراهية التي تضخمت في قلوب المواطنين تجاه هذه المليشيا وأذنابها لم تأتِ من فراغ، إنما هي النتيجة الطبيعية لانكشاف السلوك الإجرامي العاري من أي أخلاق أو وازع ديني أو إنساني. وفي المقابل، تجلت عظمة “الصبر الجميل” الذي تحدث عنه القرآن الكريم؛ صبرٌ يرافقه إيمان عميق بأن النصر صبر ساعة. هذا التماسك النفسي والروحي جعل الشعب يتجاوز كل جراح الأزمات المعيشية الطاحنة، ليقف سداً منيعاً خلف جيشه، لا يثنيه عن هذا الدعم جوعٌ، ولا ترهبه تهجيرات، ولا توقفه ظلامات.

إن هذا الشعب العظيم الذي قدَّم نموذجاً في الصبر والاحتساب والبسالة، بات يضع الدولة ومؤسساتها أمام اختبار تاريخي لا يقبل القسمة على اثنين. فالعرف الوطني والأخلاقي يفرض على الحكومة أن تدرك أن جزاء هذا الشعب لا يُختزل في الخطابات الحماسية، ولكن يجب أن يتجسد في أفعالٍ توازي حجم التضحيات.

وإن ما ينبغي أن تُكافأ به هذه الجماهير الوفية يرتكز على رعاية فورية لتضميد الجراح عبر إعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية من كهرباء ومياه وصحة في المدن والمناطق المحررة لرفع جزء من هذا الكابوس المعيشي، وتطهير مفاصل الدولة من كل مخلفات الطابور الخامس وأذناب المليشيا وبسط سيادة حكم القانون بحزم ليشعر المواطن بأن دموعه وتضحياته تحظى بالتقدير والإنصاف، إلى جانب وضع خطط استثمارية وإسعافية واضحة للتعافي الاقتصادي لضمان حياة كريمة تليق بشعب أثبت أنه الحصن الحصين للدولة السودانية.

إن السودان اليوم يمر بمخاض عسير، ولكنه مخاض ولادة لأمة جديدة أكثر قوة، وأشد منعة. وتلك العلاقة العكسية بين دموية المليشيا وطُهر صبر المواطن ستظل الدرع الذي تقطعت دونه كل نصول المؤامرات.

فالشعب والجيش خفران في خندق واحد، يكتبان معاً نهاية أسطورة البغي، وبداية فجرٍ سوداني جديد، تشرق شمسه من وسط الرماد، وفاءً للتضحيات وتكريماً لجسارة شعبٍ أبى إلا أن يبقى شامخاً كالسعف، لا تنحنيه الرياح مهما اشتدت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى