طارق عثمان عباس يكتب…. حرب السودان ومتلازمة التدهور القيمي!!

حرب السودان و متلازمة التدهور القيمي
القت هذه الحرب بكلاكلها على صدر بلادي ثلاث سنوات عجاف قاسيات ، فأزهقت من الأرواح ما شاء الله لها ان تزهق وتركت من عاش يئن تحت وطأة الفاقة والعوز والمسغبة ، لذا كان لا بد من تلازم ذلك مع خلخلة في بنية القيم الموروثة .
من مضى الى ربه نسال الله ان يجعله في عداد الشهداء ولكن المتأمل لحال من تشرد في بقاع الأرض داخليا و خارجيا تصيبه الحسرة والاسى ، والخوف من ضياع منظومة من القيم قد لا يقدر لها البعث مجددا ان انهال عليها تراب الضغط الاقتصادي و الفزع .
و لا شك ان ما يحدث الان من ظهور لبعض القيم السالبة و الظواهر الغربية ، وما لازمها من ضعف أخلاقي ، هو مصداق لقول ابن خلدون في مقدمته ( إذا تتابعت الشدائد على الناس واشتدّ خوفهم، تبدّلت طباعهم ومالوا إلى القسوة والغلظة، وذهبت عنهم المروءة والرقة ) ، لذا لا غرو ان نرى الاغتصاب في امة كانت الى عهد قريب ترى في الغزل الظاهر في الشعر و الغناء خروج عن الموروث القيمي والأخلاقي .
فالناظر الى ما حدث اثناء هذه الحرب من قتل بطرق بشعة لم يعهدها السودان في حروبه السابقة وبشكل يتضاد مع ما عرف عن هذا الشعب من تسامح و سمو أخلاقي، يدرك ان ما راه ابن خلدون يحدث و يتكرر فهي سنن تاريخية تحكمها النفس البشرية بكل تعقيداتها و العقل الجمعي للعصبية المعينة ،.
ذلك العقل الجمعي السالب ، والذي يزداد ائتلافا و تماسكا كلما وهنت الوحدة البنيوية للدولة كمنظومة سياسية ذات اطر دستورية وقانونية تحكمها و تضع حدودا وقيودا على حريات الافراد والجماعات التي تحيا على اقليمها ، ويتفق هذا الامر كذلك مع ما راه عالم الاجتماع إميل دوركايم و الذي عبر عنه بمفهوم (تفكك المعايير)، حيث يؤدي الاضطراب الاقتصادي أو الاجتماعي إلى ضعف الضوابط الأخلاقية وانتشار الانحراف الخلقي .
لعله من نافلة القول ان الحرب هي قضاء وقدرا يجسد قدرة الله وعلمه الازلي بما كان وما سيكون و ما لم يكن لو كان كيف يكون ، و لكن حرية الانسان فيما يختار و التي فطره الله عليها ﴿ فالهمها فجورها وتقواها ﴾ ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ هذه الحرية تجعل الانسان ينحو الى الفساد الأخلاقي من ظلم واستبداد وتعدي فينتشر الفساد في الأرض نتيجة لذلك ، فيصير وبالا على الكل كما صوره سبحانه وتعالى في محكم تنزيله ( ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الروم: 41) .
أيضا وكمتلازمة اجتماعية حتمية لا فكاك منها تنحو الحرب تحت ضغط الخوف والحاجة و التشرد الى العبث بالأخلاق ، فالناظر الى المجتمعات السودانية في المهاجر خاصة مجتمعات ما بعد النزوح ، يرى بعض الانحلال ، ليس على استيحاء او في المجالس الخاصة كما في كثير من شعوب العالم ، وانما حتى على الميديا و التي فاقت كل وسائل الاعلام الان في صناعة الخبر و نقله ، فما يعرف ( باللايفات ) التي يقدمها إفرادا من الجنسين تعج بالقبيح من القول والفعل ، و باستخدام مفردات بينها و الحياء الاف السنوات الضوئية ، هذا يحدث في دول و مجتمعات عرفت الانسان السوداني منذ عشرات السنين فردا حييا ، يتمتع بأدب صوفي اقرب الى الورع ، اذا ما لذي حدث اليس المهاجر الأول هو سلف لهذا الخلف غير الراشد ؟
نرى ما نرى وحق لنا ا ن نتساءل عن من يحاول من خلال الميديا و الاعلام الخاص ، ان يصور الانسان السوداني بهذا السقوط الأخلاقي ، اما يكفي التشرد والضياع في المنافي والموت في قاع المحيطات ، لماذا لا نحاول ان نبقي على كرامتنا الحقيقة والتي تتمثل فيما عرف عنا من اخلاق ، نعم نحن لسنا ملائكة و لا كائنات يوتوبية و لكن قدمنا مظهرا أخلاقيا مرضيا في ازمان ماضية.
لماذا لا نحذو حذو شعوب مثل اليابان و التي خرجت من الحرب العالمية الثانية محافظة عل قيم الانضباط والعمل الجماعي فكان لها ان قادت العالم في مجال التقدم التكنلوجي والاقتصادي ، او المانيا التي خرجت من الحرب متسلحة بقيم المساءلة و الشفافية واعلاء قيم المساءلة والمحاسبة .
مما يدهش حقا في هذا المشهد الأخلاقي المخيف صمت بعض قادة المجتمع و خاصة علماء الدين و الذين يكون لهم اثر كبير في إرساء القيم السمحة لم أر الا القليل منهم الذي تحدث عما نشهد من انحدار أخلاقي بينما تجد اسهابا في الخطب التي تزيد من اوار الحرب ، بدلا من واد الفتنة و حث العباد على المحافظة على اخلاقهم التي هي جزء من عقيدة الإسلام الذي يدين بها جل الشعب السوداني ، هنالك أيضا غياب لا هل الدراما و الصحافة و الذين يعول عليهم كثيرا في تقويم الاعوجاج المجتمعي .
كذلك يقع على عاتق علماء الاجتماع والمختصين بعلم والنفس واجبا ثقيلا هم في غفلة منه ، لعلهم يقدمون ما يبقي لنا على بعض من خلق في زمان الازمة والفتنة هذه ، فترميم البلاد وإعادة بنائها ليس بالأمر الصعب ولكن من يبني ما هدم من قيم ، وحتى وان اعيد بناؤوه هل ستنسى لنا دولا وشعوبا استضافتنا ما اريناها من سيء اعمالنا وقبيح افعالنا و خلقنا ، لا اظن ذلك.
طارق عثمان عباس
tarigosm@gmail.com



