مقالات الظهيرة

صيف السودان على حافة الانهيار: معركة الخبز حين يصبح الجفاف أخطر من الحرب (1-2)

الدكتور /محمد عوض محمد متولي

المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

إن الصيف السوداني لعام 2026م لم يعد موسماً زراعياً يبدأ بقطرة مطر وينتهي بكومة حصاد، بل تحول إلى معادلة بقاء تمتد على مساحة 175 مليون فدان، وتتعلق مباشرة بمصير 22 مليون سوداني يقفون اليوم وفق مؤشر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عند المرحلة الرابعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد. فبينما تُقاس الأزمات في العاصمة بالكيلومترات المربعة، تُقاس المعركة الأخطر في القضارف والجزيرة وكردفان والنيل الأبيض بجوال الذرة. والرصاصة التي تُطلق في الميدان تكلف الخزينة ألف دولار، والشائعة التي تُطلق في الحقل عن فشل الموسم تكلف الدولة 280 مليون دولار، لأن كل مليون طن قمح لا يُنتج محلياً يُستورد بهذا الرقم، وكل دولار استيراد يُسحب من احتياطي الجنيه، وكل انخفاض في الاحتياطي هو انخفاض مباشر في سيادة الدولة وقدرتها على الصمود.

 

إن قراءة هذا الموسم بعين اقتصادية سيادية تكشف أن السودان فقد خلال خمسة مواسم فقط من 2020م إلى 2025م نحو 59% من قدرته الإنتاجية الفعلية، وهذا الرقم ليس تقديراً إنشائياً بل حصيلة بيانات تراكمية صادرة عن مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات. ففي موسم 2022م بلغت نسبة التنفيذ 68% من المساحة المخططة للذرة والسمسم والفول السوداني، أي أن 32% من الأرض المعدة بقيت بوراً، وانهارت النسبة إلى 41% فقط في موسم 2024م، أي بفقدان 27 نقطة مئوية من الإنتاج في عامين. وهذا التقلص لم يأت من السماء، بل جاء من اتساع رقعة العمليات العسكرية التي جعلت 3.1 مليون فدان في القضارف وسنار والنيل الأزرق وجنوب كردفان مناطق تماس لا يدخلها المزارع ولا تخرج منها الآلية، ومن تدمير 73% من أسطول الجرارات والحاصدات في مشروع الجزيرة البالغ 2.2 مليون فدان بسبب انعدام قطع الغيار ووصول سعر جالون الديزل إلى 3400 جنيه في السوق الموازي مقابل 1180 جنيهاً رسمياً، ومن هجرة 1.4 مليون عامل زراعي موسمي إلى مناطق التعدين الأهلي حيث يدر العامل 12 دولاراً يومياً مقابل 3 دولارات في الزراعة.

 

ولم يتوقف الانهيار عند المساحة، بل امتد إلى الإنتاجية التي هي قلب المعادلة الاقتصادية. فمتوسط إنتاجية فدان الذرة الرفيعة انحدر من 0.9 طن في 2019م إلى 0.4 طن فقط في 2025م، أي بتراجع 55.5%، والسبب ليس المناخ وحده بل انهيار منظومة المدخلات بالكامل. السودان يستورد 94% من تقاويه المحسنة و100% من مبيداته و87% من أسمدته، وتوقف الاستيراد بسبب شح النقد الأجنبي أعاد المزارع إلى البذور البلدية التي تعطي نصف إنتاجية الأصناف المحسنة، وتفشي دودة الحشد الخريفية والجراد الصحراوي في ظل غياب كامل للإرشاد الزراعي رفع الفاقد الحشري إلى 18% من المحصول. وعندما تُضاف هذه النسبة إلى فاقد النقل والتخزين البالغ 31%، نجد أن المزارع السوداني يخسر نصف محصوله قبل أن يصل إلى السوق.

 

والانهيار الثالث كان في معادلة التكلفة والعائد التي أصبحت طاردة للاستثمار. فكلفة زراعة فدان السمسم في القضارف بلغت في الموسم الماضي 380 دولاراً تشمل إيجار الأرض والوقود والعمالة والترحيل، بينما بلغ العائد الصافي 90 دولاراً فقط، أي بخسارة 290 دولاراً للفدان.

وحين يخسر المزارع 76% من رأس ماله في موسم واحد، فإن الخيار العقلاني هو هجر الأرض، وهذا ما حدث بالفعل حيث تحولت 2.1 مليون فدان في القطاع المطري الآلي إلى أرض بور طوعاً. والنتيجة المنطقية أن السودان الذي يملك 175 مليون فدان صالحة للزراعة، أصبح يستورد 65% من قمحه و42% من زيوت الطعام، ويدفع 1.8 مليار دولار سنوياً لاستيراد غذاء يمكن إنتاجه محلياً بكلفة أقل 40% إذا توفرت المدخلات والأمن. أي أننا ندفع ثمن فشلنا الزراعي مرتين، مرة بالدولار ومرة بالجوع.

 

ويزيد المشهد خطورة أن المناخ لم يعد عاملاً طبيعياً محايداً، بل تحول إلى سلاح مزدوج الحدين.

فالنماذج المناخية للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ وهيئة الأرصاد السودانية تؤكد أن الحزام المطري يتحرك جنوباً بمعدل 4 كيلومترات سنوياً، مما أخرج 1.7 مليون فدان في شمال القضارف وجنوب نهر النيل من نطاق الزراعة المطرية المضمونة خلال العقد الأخير. وإضافة إلى ذلك، فإن توقعات ظاهرة النينو ليوليو 2026م تشير إلى تأخر هطول الأمطار 21 يوماً عن متوسطها التاريخي، وتوزيعها بشكل عنقودي عنيف يسبب سيولاً في محليات الجبلين وتندلتي بمعدل 140 ملم في 48 ساعة.

وجفافاً في محليات شرق سنار لا يتجاوز المطر فيها 90 ملم للموسم كله. أي أن المزارع سيواجه سيلاً يغرق البذر في منطقة، وجفافاً يقتل الشتلة في منطقة مجاورة على بعد 30 كيلومتراً فقط، وهذا التطرف يرفع مخاطر الإنتاج بنسبة 38% ويرفع كلفة التأمين الزراعي إلى مستويات غير قابلة للدفع.

 

إن كل هذه الأرقام لا يمكن فصلها عن بنية السلطة والثروة التي تحكم الموسم. فستة بالمئة من كبار ملاك الأراضي المروية ينتجون 54% من الصادرات الزراعية، ومصالحهم مرتبطة بالدولار، فيضغطون لرفع الدعم عن الوقود والسماد حتى لا ينافسهم 4.2 مليون أسرة مزارعة صغيرة تزرع أقل من 10 أفدنة. وشبكات التمويل غير الرسمي تحتكر المدخلات وتفرض فوائد موسمية تصل إلى 120%، فتأخذ من المزارع محصوله قبل أن يزرع. والبيروقراطية الزراعية تفرض 17 نوعاً من الرسوم والجبايات من الزكاة إلى رسوم العبور، فتأخذ 23% من هامش ربح المزارع قبل أن يبيع جواله في السوق. وهكذا يدفع المزارع الصغير كلفة الحرب وكلفة المناخ وكلفة السياسة دفعة واحدة، فيختار الصمت أو النزوح إلى المدينة أو إلى المعسكر.

 

إن الموسم الصيفي 2026م يواجه إذن انهياراً ثلاثياً متزامناً في التمويل والأمن والمدخلات. فالبنك الزراعي السوداني يعمل بـ 12% فقط من طاقته التمويلية، وهناك فجوة تمويلية قدرها 1.7 مليار دولار، وطرق الترحيل بين القضارف والخرطوم ارتفعت كلفتها 300% بسبب نقاط التفتيش والرسوم غير الرسمية، وتلف 28% من المحصول في الحقل قبل وصوله للسوق بسبب انعدام التبريد والنقل. والأخطر أن 31% من الإنتاج يضيع بعد الحصاد، فالسعة التخزينية المسقوفة في السودان لا تغطي إلا 18% من الإنتاج في سنوات الوفرة، والباقي يُخزن في مخازن بلدية أو في العراء، لتصل نسبة الفاقد بعد الحصاد إلى أعلى معدل عالمي، وهو ما يعني أننا نزرع لنطعم التراب لا البشر.

 

إن الأرض السودانية اليوم ليست حقل ذرة، بل هي خط الدفاع الأول والأخير عن 48 مليون مواطن. وما يُزرع في يوليو 2026م في سهول النيل الأبيض أو دلتا القاش أو جبل مرة، لن يحدد فقط سعر جوال الذرة في ديسمبر، بل سيحدد هل تبقى الأسرة في الريف أم تنزح إلى المدينة، وهل تبقى الدولة أم تتآكل من الداخل. فإذا فشل الموسم، فإن 22 مليون سوداني سيدخلون دائرة المجاعة، وستتحول موجات النزوح من الريف إلى الخرطوم إلى موجات ضغط سياسي واجتماعي لا تستطيع الخزينة المنهكة احتواؤها. وهذا هو الخطر السيادي الحقي: أن تنهار الدولة من المعدة قبل أن تنهار من الميدان، وأن تتحول الأزمة من أزمة سلطة إلى أزمة بقاء.

 

وسنكمل في الحلقة الثانية كيف يمكن كسر هذا الانهيار الثلاثي عبر برنامج سيادي زراعي يقوم على الممرات الآمنة والتقاوي العاجلة والطاقة الشمسية وإدارة إقليمية لامركزية، ولماذا نافذة الزمن تغلق خلال 90 يوماً فقط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى