مقالات الظهيرة

(شــــــوكة حـــــوت) الســــــــودان… بين أوجاع الحرب وسقوط الأخـلاق!! 

*فى الوقت الذى تسيل فيه الدماء وتتمزق فيه جغرافيا السودان تحت وطأة حرب طاحنة أتت على الأخضر واليابس كان يُفترض أن تكون هذه الفجيعة بمثابة جرس إنذار يوقظ الضمائر ويلم شتات المجتمع غير أن الواقع الأليم يشير إلى عكس ذلك تمامًا فبدلًا من أن يستخلص المجتمع العِبر من هذه الويلات بات الشارع يُسجّل تراجعًا غير مسبوق فى منظومة القيم والأخلاق وكأن الحرب لم تزد النفوس إلا قسوة والواقع إلا ظلامًا لقد تجاوز الانحدار الأخلاقى فى الأزمة الحالية حدود الأزمات الاقتصادية المعيشية إذ ظهرت في أسواق النازحين والمدن المكتظة معاملات ربوية جشعة تُستغل فيها حاجة المعدمين انعدمت الرحمة لدى فئات وظّفت ظروف الحرب لتحقيق ثراء سريع على حساب جوع الآخرين وذلهم فارتفعت أسعار الإيجارات والسلع الأساسية بشكل جنونى وتبدلت قيم التكافل التاريخية التى عرف بها السودانيون إلى أبشع صور الاستغلال التجارى والأخلاقى*.

 

*ولم يقف هذا التردى عند المعاملات المالية بل امتد ليعصف بالبناء الاجتماعي للشارع السودانى ففى الوقت الذى تدمر فيه العائلات ويشرد الملايين انتشرت مظاهر التفكك وساد الخطاب العنيف والمعاملات اليومية القاسية وغابت السلوكيات التى كانت تُشكّل الحماية الفطرية للمجتمع السودانى تصاعدت وتيرة الجريمة وشهدت المجتمعات المضيفة والنازحة على حد سواء احتكاكات تُنبئ بتآكل النسيج الاجتماعى الأصيل أمّا على الصعيد السياسى فقد بلغت الحالة الأخلاقية قاعًا غير مسبوق حيث استمرت الأطراف والقوى السياسية في ممارسة التجارة بدماء المواطنين وآلامهم سادت حالة من الانحطاط السياسى المتمثل في الخطاب الإعلامى التحريضى وإذكاء نار الفتنة القبلية والجهوية وغياب تام لأى طرح وطنى أخلاقى يضع حدًا لهذه المأساة ليتحول الخطاب السياسى إلى أداة تصفية حسابات ومكاسب ضيقة على حساب جثث الضحايا ولعل الخطر الأكبر الذى يهدد ما تبقى من رماد هذا الوطن هو طوفان المخدرات الذي أغرق البلاد خلال سنوات الحرب لقد تحولت سيولة الحدود وغياب الرقابة الأمنية إلى بيئة خصبة لشبكات الترويج التي استهدفت الشباب والنازحين الفارين من نار الرصاص ليقعوا في مصيدة الإدمان إن تدفق هذه السموم بكثافة لم يكن محض مصادفة بل عملية تدمير ممنهجة لطاقة البلاد البشرية وما تبقى من أمل في المستقبل*.

 

*هذا التضافر الخبيث بين الحرب والجشع المالى والانحراف الأخلاقى وانتشار السموم أوصل البلاد إلى حالة شبيهة بتلك التى أُطلقت قديماً على الدول التائهة إذ تحول السودان اليوم بحق إلى رجل إفريقيا المحتضر دولة شاحبة تتربص بها الأمراض الاجتماعية من الداخل والنزاعات المسلحة من الخارج فى ظل غياب تام لشرايين الحياة الاقتصادية والإدارية إن الإشكالية الكبرى لا تكمن فقط في دمار البنية التحتية، فالأبنية والجسور تُعاد زراعتها وتشييدها بل تكمن في الدمار الذي أصاب الإنسان السودانى فى قيمه ومبادئه عندما يفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية وسط الأزمات تفتح الأبواب أمام فوضى شاملة يصعب السيطرة عليها حتى وإن توقفت أصوات البنادق والمدافع إن استمرار هذا المنحدر يعنى أن البلاد لا تخسر معركتها الميدانية فحسب بل تخسر وجودها الحضارى والاجتماعى فالشعوب التى لا تتعظ من النكبات تكرر إنتاج أسباب فنائها والمجتمع الذى يستبدل الرحمة بالجشع والتماسك بالمخدرات والتطاحن يدفع بنفسه نحو القبر بأيديه لا بأيدى أعدائه*.

 

نـــــــــــــص شــــــــــــوكة

*ومع ذلك فإن السقوط الأخلاقى ليس قضاءً محتومًا لا رادّ له بل هو نتيجة لغياب الوعى وسيطرة أمراء الحرب وسماسرة الأزمات إن إنقاذ السودان من الموت السريرى يتطلب قبل وقف إطلاق النار ثورة أخلاقية ونقدًا ذاتيًا شجاعًا يراجع فيه الجميع سلوكياتهم فى السوق والشارع والبيت والمنبر السياسى*.

 

ربـــــــــــــع شــــــــــــوكة

 

*إن الطريق نحو التعافى لن يبدأ إلا عندما يدرك الجميع أن الوطن لا ينهار فقط بفعل القذائف بل ينهار أولًا حينما تموت النخوة وتغيب القيمة ويتحول العذاب إلى فرصة للتربح إن السودان يحتاج اليوم إلى استعادة روحه وأخلاقه لكي يستطيع النهوض مجددًا من فراش المرض ويغادر لقب رجل إفريقيا المحتضر قبل فوات الأوان*.

 

yassir.mahmoud71@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى