سراب الحماية وهشاشة القصور: قراءة في فواتير الارتهان وخارطة الخلاص
الظهيرة – حسن الدنقلاوي:
لم تكن الحرائق التي تلتهم المدى، ولا طوابير التشرد التي باتت ثمنًا باهظًا لـ “أمنٍ مُتخيل”، مجرد حوادث عابرة في دفتر الأيام؛ بل هي فواتير النهاية التي لا تخطئها عين بصيرة. إنها اللحظة التي يرتطم فيها الواقع بصلابة الحقيقة: القصور التي شُيدت لتكون حصوناً أصبحت خالية تصفر فيها ريح الخيبة، والملاجئ التي استجارت بها الشعوب ضاقت بأنين الأحلام المنكسرة، بينما تحول “مضيق هرمز” من شريان حياة إلى “خرم إبرة” يخنقه صراع الإرادات.
المحرقة المالية: صواريخ المليارات في مواجهة “أبابيل” الزهيدة.
لقد راهنت دول المنطقة، في لحظة ارتهان تاريخي، على “المظلة الأمريكية”، ودفعت مقابل ذلك فواتير حماية استنزفت الميزانيات السيادية. وتتجلى المفارقة الساخرة اليوم في أن الصواريخ الاعتراضية التي تبلغ تكلفتها الملايين، تقف عاجزة أو “تستجدي النفاذ” أمام طائرات مسيرة لا تتجاوز تكلفتها بضعة آلاف من الدولارات. إنها “حرب الاستنزاف غير المتكافئ”، حيث خسرت أمريكا ما استولت عليه من أموال العرب في محرقة التصدي العبثي، تاركةً حلفاءها في مهب عاصفة اقتلعت القواعد والمطامع.
ميزان العقول: كلفة حماية الأوهام
إن الخسارة الحقيقية لا تُقاس بالأبنية المحترقة، بل في ميزان عقول الشعوب العربية التي استفاقت على حقيقة أن حماية “المطامع الأمريكية والإسرائيلية” لم تكن سوى مقامرة بالوجود والهوية. لقد تبين أن الاستجارة بالمنقذ الخارجي كانت صكاً للتنازل عن السيادة، فالقوة العظمى ظهرت كنمر من ورق أمام تكنولوجيا الإرادة المحلية، والقصور التي استقوت بالأجنبي باتت الأهداف الأولى للنيران.
خارطة الطريق: من رماد التبعية إلى فجر السيادة
إن وقوفنا على أطلال هذه التجربة المريرة يستوجب رسم معالم طريق جديد يسترد الكرامة الوطنية، ويقوم على المرتكزات التالية:
أولاً: فك الارتهان للمظلات الزائفة: الإدراك بأن “الأمن المستورد” هو عبودية مُقنّعة، والتحول نحو بناء قوة ذاتية تعتمد على الابتكار والتقنية الوطنية.
ثانياً: استثمار العقل لا الترسانة: تحويل ميزانيات السلاح المليارية إلى مختبرات البحث العلمي، فالعلم هو الحصن الذي لا يخترق، والسيادة تُصنع في الجامعات لا في صفقات السلاح المشبوهة.
ثالثاً: التحالفات الندية: استبدال التبعية للخارج بتحالفات إقليمية تحترم الجغرافيا والتاريخ، ليعود هرمز ممرًا للازدهار بتوافق أهل المنطقة، بعيداً عن إملاءات القوى الاستعمارية.
رابعاً: تحصين الجبهة الداخلية: إن القصور لا تحميها القواعد الأجنبية، بل تحميها العدالة الاجتماعية. إن توجيه الثروات للتنمية هو الدرع الحقيقي الذي يجعل الشعوب هي الحامي الأول للدولة.
خاتمة القول:
لقد سقطت ورقة التوت، وأثبتت دروس التاريخ أن الدول التي تحتمي بظل غيرها تموت حين ترحل تلك الغيوم. إنها لحظة الاختيار التاريخي: إما البقاء في ضيق “خرم الإبرة” ننتظر نفاذ الصواريخ والحلول المستوردة، أو الانطلاق نحو فضاء السيادة حيث يكون قرارنا نابعاً من مصالحنا، وقوتنا مستمدة من تراب أرضنا وعقول أبنائنا.



