مقالات الظهيرة

رؤية وطنية…الأوطان لا تُضاء بالمصابيح وحدها!!

بقلم: أبوعبيدة أحمد علي

رئيس جمعية الأخوة السودانية السعودية مجلس الصداقة الشعبية العالمية

================

ليس الضوء الذي تبحث عنه الشعوب هو ذلك الذي ينساب من المصباح إلى الجدار، وإنما الضوء الذي ينساب من الضمير إلى القرار، ومن الإخلاص إلى العمل، ومن الأمانة إلى المسؤولية. فكم من مدينةٍ أشرقت شوارعها بالمصابيح، وهي غارقة في ظلمات الظلم، وكم من أمةٍ انقطعت عنها الكهرباء أيامًا، لكنها لم تنقطع عن فضائلها، فنهضت من عثرتها حتى أضاءت الدنيا بعلمها وعدلها وعمرانها.

 

إن الكهرباء ليست قضية تيار كهربائي يسري في الأسلاك، وإنما قضية تيارٍ من الوعي يسري في العقول، فإذا انقطع التيار الأول تعطلت الحياة ساعات، أما إذا انقطع الثاني تعطلت حياة الأمم سنين طويلة.

 

ولقد شاء الله أن يجعل النور عنوان الهداية، فقال سبحانه: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وجعل أول ما يخرج به المؤمنون من الضيق إلى السعة أن يخرجهم من الظلمات إلى النور؛ لأن النور في ميزان الحضارة ليس ضوء العين وحدها، بل ضوء البصيرة أيضًا.

 

ومن هنا فإن أزمة الكهرباء التي يعيشها السودان ليست أزمة محطاتٍ ومحولاتٍ وكوابل فحسب، وإنما هي امتحانٌ لضمير الإدارة، واختبارٌ لقدرة الدولة على أن تجعل مصلحة المواطن فوق كل اعتبار. فكل ساعةٍ يغيب فيها التيار لا تعني مجرد انطفاء مصباح، وإنما تعني جهازًا طبيًا ينتظر، ومريضًا يتألم، وطالبًا يطوي كتابه، وصانعًا يوقف آلته، ومزارعًا يرقب زرعه وهو يذبل، وأمًا تدعو الله أن يرحم أطفالها من لفح الحر.

 

ولقد قرأت ما كتبته الأستاذة سهير عبدالرحيم، فوجدت أن القضية التي أثارتها أكبر من أن تكون خبرًا صحفيًا، وأوسع من أن تكون نقدًا لمسؤول، فهي في حقيقتها سؤالٌ يطرقه الضمير الوطني على أبوابنا جميعًا: كيف نتعامل مع المبادرات التي يولدها حب الوطن؟ وهل أصبح بطء الإجراءات قادرًا على أن يهزم سرعة الإخلاص؟

 

إن الأمم العظيمة لا تُقاس بعدد من ينتقدون، وإنما بعدد من يبادرون. فإذا قام رجلٌ يعرض ماله وجهده ابتغاء خدمة وطنه، فإن أول واجب على المؤسسات أن تستقبل مبادرته بعقل الدولة، لا بعقل الروتين، وأن تنظر إليها بعين المسؤولية، لا بعين الشك، لأن الوطن لا يملك رفاهية أن يضيع فرصةً قد تكون سببًا في رفع معاناة الملايين.

 

ولئن كان ما نُقل عن هذه المبادرة صحيحًا، فإنها تستحق أن تُدرس في وضح النهار، وأن يُعلن للرأي العام ما انتهت إليه الجهات المختصة؛ فإن قُبلت فذلك مكسب للوطن، وإن تعذر تنفيذها فليُبيَّن السبب بوضوح، لأن الشفافية لا تقل قيمةً عن القرار نفسه، وهي الجسر الذي تعبر عليه ثقة الشعوب إلى مؤسساتها.

 

أما ما أصاب بعض منشآت الكهرباء من حرائق وأعطال، فهو أمر لا ينبغي أن يبقى أسير الروايات المتعارضة. فالحقيقة لا تُستخرج بالغضب، وإنما بالعلم، ولا يحرسها الاتهام، وإنما يحرسها التحقيق المهني المستقل. فإن ثبت تقصيرٌ فالقانون أولى به، وإن ثبت تخريبٌ فذلك اعتداء على أمن الوطن، وإن ظهر خللٌ فني، فإصلاحه واجب لا يقبل التأجيل.

 

إنني لا أكتب اليوم دفاعًا عن شخص، ولا هجومًا على آخر، وإنما أكتب دفاعًا عن وطنٍ أنهكته الحروب، وأرهقته الأزمات، وأصبح في أمسِّ الحاجة إلى أن تتكاتف حوله العقول قبل السواعد، والضمائر قبل القرارات.

 

فالسودان لا تنقصه الثروات، وإنما تنقصه سرعة تحويل النوايا الحسنة إلى أعمال، والأفكار إلى مشاريع، والوعود إلى إنجازات. وما أكثر الرجال الذين يحملون في صدورهم حب الوطن، ولكن الوطن ينتظر من يفتح لهم الأبواب، ويزيل من طريقهم حجارة البيروقراطية، حتى يصبح العطاء ثقافة، لا استثناء.

 

ولقد علمتنا التجارب أن الكهرباء لا تُولد في المحطات وحدها، وإنما تُولد أولًا في ضمائر الرجال؛ فإذا أضاء الضمير، استقام القرار، وإذا استقام القرار، تحركت المؤسسات، وإذا تحركت المؤسسات، عاد النور إلى البيوت، وعادت الطمأنينة إلى القلوب، وعاد الأمل إلى وطنٍ طال انتظاره للفجر.

 

همسة من اجل الوطن

 

أيها المسؤول… تذكر أن الناس إذا انطفأت بيوتهم أوقدوا الشموع، ولكنهم إذا انطفأت في مؤسساتهم شعلة الضمير، فلن يجدوا نورًا يبدد ظلام اليأس. فاحفظ الأمانة، فإن المناصب تزول، ويبقى في صحائف الأعمال نورٌ لا ينطفئ، أو ظلامٌ لا ينقشع.

 

اللهم يا نور السموات والأرض، أفض على السودان نورًا من عندك، يبدد ظلمات الحرب، ويهدي القلوب إلى سواء السبيل، وأعن كل مخلصٍ حمل همَّ هذا الوطن، واجعل أعمالنا خالصةً لوجهك الكريم، واجعل السودان آمنًا مطمئنًا، وارزق أهله من بركات السماء والأرض، إنك سميعٌ مجيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى