د. عبد الرؤوف قرناص يكتب… العشوائيات الاقتصادية أخطر من السكنية… الوراقة أعني!!

تحارب الدولة السكن العشوائي، ونشطت في الفترة الأخيرة في إزالة الأحياء العشوائية التي تمددت لسنوات خارج مظلة القانون والنظام.
وقد ذاق الشعب السوداني ويلات كثيرة من بعض هذه المناطق، بعد أن تحولت أجزاء منها إلى بيئات خصبة للجريمة والممارسات غير القانونية، ولذلك فإن إعادة تخطيطها وإدخالها تحت مظلة القانون خطوة مطلوبة، وحسنًا فعلت الدولة.
لكن هناك عشوائيات أخطر بكثير من العشوائيات السكنية… إنها العشوائيات الاقتصادية.
وأعني بها تحديدًا ما يعرف في سوق التجارة بـ «الوراقة».
الاسم وحده يكشف جانبًا من المهمة.
أفراد يتحركون في محيط الوزارات والمؤسسات الحكومية، خصوصًا الجهات المرتبطة بالتجارة والصادر والوارد، ويبحثون عن العملاء، ثم يتولون «تظبيط الورق» والحصول على الموافقات والإجراءات التي يحتاجها المصدر أو المستورد لإكمال معاملته، مقابل مبالغ متفق عليها.
قد تبدو المسألة في ظاهرها مجرد تسهيل للإجراءات.
لكنها في حقيقتها أخطر من ذلك بكثير عندما تتحول الأوراق إلى وسيلة للالتفاف على القوانين، وتجاوز الإجراءات، وفتح أبواب الاقتصاد أمام من لا يريد أن يلتزم بالقواعد.
والأخطر أن هذه المنظومة لا تقف عند حدود «الورق».
فإذا كانت عوائد الصادر لا تعود إلى البلاد، وإذا كان المصدر يستطيع أن يبيع حصيلة صادراته في الخارج ثم يجد من يساعده على تغيير المسارات والمستندات وإغلاق الملفات بالورق، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط:
لماذا لا تعود عوائد الصادر؟
بل يجب أن يكون السؤال الأهم:
من الذي يمكّن من لا يعيد عوائد الصادر من إكمال معاملته أصلًا؟
ومن الذي يمرر الأوراق؟
ومن الذي يمنح الموافقات؟
ومن الذي يفتح الأبواب؟
ومن الذي يملك القدرة على تحويل المخالفة إلى معاملة تبدو قانونية على الورق؟
هنا تحديدًا تكمن المشكلة.
فالدولة قد تطارد المهرب على الحدود، بينما قد يكون من يسهل له العملية موجودًا داخل منظومة الإجراءات نفسها.
وقد تلاحق الدولة الأموال التي خرجت، بينما لا تسأل بما يكفي عن السلسلة التي سمحت بخروجها أصلًا.
والاقتصاد لا يمكن أن يستقيم إذا كانت هناك دولة تعمل بالقانون، وفي داخلها اقتصاد موازٍ يعمل بالورقة والختم والعلاقة والعمولة.
هذه ليست مجرد مشكلة فساد إداري.
إنها مشكلة تمس موارد الدولة من النقد الأجنبي، وتضعف قيمة العملة الوطنية، وتستنزف حصيلة الصادرات، وتخلق منافسة غير عادلة أمام التاجر والمصدر الملتزم، وتكافئ من يعرف «الطريق المختصر».
ولذلك فإن محاربة «الوراقة» يجب ألا تبدأ من الورّاق نفسه فقط.
بل يجب أن تبدأ من المنظومة التي تجعله قادرًا على العمل.
أغلقوا أبواب السمسرة داخل المؤسسات.
رقمنوا الإجراءات بحيث لا يحتاج المصدر إلى الوقوف أمام أبواب الوزارات بحثًا عمن «يخلص له الورق».
اربطوا الصادر بالجهاز المصرفي.
وتابعوا كل دولار خرج باسم السودان: أين ذهب؟ ومن استلمه؟ ومتى عادت حصيلته؟
واجعلوا كل موافقة قابلة للتتبع والمراجعة والمساءلة.
نحن لا نحتاج إلى حرب على الورّاقين فقط، بل إلى تفكيك البيئة التي صنعتهم.
فالعشوائية السكنية يمكن هدمها وإعادة تخطيطها.
أما العشوائية الاقتصادية، فإذا استقرت داخل الإجراءات والمؤسسات، فإنها تهدم الاقتصاد من الداخل دون أن نرى جدارًا واحدًا يسقط.
لا تسألوا فقط:
لماذا لا تعود عوائد الصادر؟
اسألوا أولًا:
من الذي يسمح لها ألا تعود؟
في بلادي…
الوجع راقد.



