مقالات الظهيرة

ترامب يسقط في فخ هرمز ويخسر معركة مجلس الشيوخ!!

مسارب الضي | يكتبه | د. محمد تبيدي:

لم تكن معركة دونالد ترامب مع إيران مجرد مواجهة عسكرية عابرة، ولم يكن مضيق هرمز مجرد ممر مائي تتزاحم فيه ناقلات النفط والسفن التجارية، بل تحولت المواجهة إلى اختبار حقيقي لمعادلات القوة الأمريكية، وحدود النفوذ العسكري، وقدرة واشنطن على فرض إرادتها السياسية والاقتصادية على الخصوم.

وبينما كان ترامب يتحدث عن تحقيق أهدافه العسكرية وإخضاع طهران، كانت تداعيات الحرب تتسلل إلى الداخل الأمريكي، لتضع إدارته أمام استحقاق سياسي لم تكن حساباته الانتخابية بعيدة عنه.

 

هرمز.. الممر الذي تحول إلى مأزق استراتيجي:

يُعد مضيق هرمز أحد أهم الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، فهو ليس مجرد ممر للسفن، وإنما نقطة ارتكاز في أمن الطاقة والتجارة الدولية. ومن هنا فإن أي اضطراب في حركة الملاحة عبره لا يتوقف أثره عند حدود إيران أو دول الخليج، بل يمتد إلى أسواق النفط والغاز وأسعار الوقود والتضخم وسلاسل الإمداد في مختلف أنحاء العالم.

لقد دخلت الولايات المتحدة المواجهة وهي تمتلك تفوقاً عسكرياً وتقنياً هائلاً، لكنها وجدت نفسها أمام معادلة مختلفة؛ فالتفوق في الجو والبحر لا يعني بالضرورة القدرة على ضمان الملاحة التجارية، ولا يعني أن الطرف الآخر فقد أوراق الضغط.

إيران تدرك أن مضيق هرمز يمثل ورقة استراتيجية شديدة الحساسية، وأن مجرد تهديد أمن الملاحة فيه يفرض على القوى الدولية إعادة حساباتها. فالألغام البحرية، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الساحلية، والزوارق السريعة، والحرب الإلكترونية، كلها أدوات تجعل تأمين هذا الممر عملية معقدة ومكلفة، حتى أمام أقوى الأساطيل البحرية.

وفي تطور يعكس خطورة المشهد، أعلنت الحرس الثوري الإيراني في الخامس من نوفمبر عن احتراق ناقلتين نفطيتين وقاطرة بحرية في حوادث منفصلة بالمضيق، مع إرجاع الحوادث إلى استخدام مسارات غير مصرح بها. وهذه رواية إيرانية بشأن الوقائع، لكنها تكشف حجم المخاطر التي أصبحت تواجه حركة الملاحة.

 

ترامب.. من حسابات الحسم إلى فاتورة الحرب:

المعضلة التي واجهت ترامب أن الحرب لا تُقاس بعدد الطائرات التي أقلعت، ولا بحجم الصواريخ التي أُطلقت، ولا بالتصريحات التي تعلن الانتصار، وإنما بقدرة الدولة على تحقيق أهدافها السياسية والعسكرية بأقل تكلفة ممكنة، وبما يحفظ مصالحها الاستراتيجية.

فإذا كانت واشنطن قد دخلت الحرب لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي وتقليص قدراتها العسكرية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:

هل تحققت هذه الأهداف بصورة تنهي التهديد، أم أن الحرب فتحت أبواباً جديدة من المخاطر، وجعلت أمن الطاقة العالمي رهينة لمعادلات التصعيد والردع؟

لقد ارتفعت كلفة المواجهة سياسياً واقتصادياً، وأصبحت أسعار الوقود والتضخم من القضايا التي تؤثر مباشرة في حياة المواطن الأمريكي. وهنا انتقلت الحرب من غرف العمليات العسكرية إلى موائد الأسر الأمريكية، ومن خرائط القيادة العسكرية إلى صناديق الاقتراع.

 

مجلس الشيوخ.. الهزيمة السياسية التي لم تكن في حسابات البيت الأبيض:

جاءت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في الثالث من نوفمبر 2026م لتكشف حجم التحول في المزاج السياسي الأمريكي، بعدما حقق الديمقراطيون انتصاراً واسعاً وانتزعوا السيطرة على مجلسي الكونغرس، النواب والشيوخ، في ضربة انتخابية كبيرة للحزب الجمهوري وإدارة ترامب.

وهنا لا بد من التمييز بين خسارة التصويت على قرار صلاحيات الحرب وبين خسارة السيطرة على مجلس الشيوخ انتخابياً فهما محطتان مختلفتان، لكنهما تعكسان تصاعد الخلاف داخل المؤسسات الأمريكية حول إدارة الحرب مع إيران.

ففي يونيو الماضي، صوّت مجلس الشيوخ بأغلبية 50 صوتاً مقابل 48 لصالح قرار يدعو إلى وقف العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، في سابقة سياسية لافتة، رغم استمرار الجدل القانوني حول مدى إلزامية القرار للرئيس. وفي سبتمبر رُفض قرار آخر لتقييد صلاحيات ترامب العسكرية بنتيجة 50 مقابل 49.

أما التطور الأكبر فجاء في انتخابات نوفمبر، حين فقد الجمهوريون السيطرة على المجلسين، ليجد ترامب نفسه أمام كونغرس جديد تستطيع فيه المعارضة الديمقراطية ممارسة رقابة أكثر صرامة على سياساته، ومراجعة موازنات الحرب، واستدعاء المسؤولين، وفتح ملفات القرارات العسكرية والإدارية.

وهذه ليست مجرد خسارة مقاعد، بل تغير في ميزان القوى داخل النظام السياسي الأمريكي، بما يفرض على البيت الأبيض التعامل مع واقع تشريعي مختلف خلال المرحلة المقبلة.

 

هل يستطيع ترامب مواصلة الحرب؟

من الناحية الدستورية، لا يعني فقدان الأغلبية في مجلس الشيوخ أن الرئيس الأمريكي فقد تلقائياً صلاحياته العسكرية، فالسلطة التنفيذية لا تزال تمتلك أدوات واسعة لإدارة العمليات العسكرية، لكن الكونغرس يملك أدوات مؤثرة تتعلق بالتمويل والتشريع والرقابة والمساءلة.

وبالتالي فإن ترامب قد يجد نفسه أمام معادلة صعبة: الاستمرار في الحرب مع تصاعد الضغوط الداخلية، أو الذهاب إلى تسوية سياسية قد تفرض عليه تقديم تنازلات، أو الإبقاء على حالة المواجهة المفتوحة بما تحمله من أعباء اقتصادية وأمنية.

والأخطر أن أي تصعيد جديد في مضيق هرمز قد يرفع أسعار الطاقة ويزيد الضغط على الاقتصاد الأمريكي، ويمنح خصومه السياسيين مساحة أوسع لمساءلة الإدارة عن جدوى الحرب وتكاليفها.

 

رواية مسارب الضي للمشهد:

إن ما يحدث بين واشنطن وطهران يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية فنحن أمام صراع إرادات تتداخل فيه الجغرافيا السياسية مع أمن الطاقة والاقتصاد العالمي والتوازنات الدولية.

لقد أثبتت أزمة هرمز أن السيطرة على المجال الجوي لا تعني بالضرورة السيطرة على الجغرافيا البحرية، وأن امتلاك القوة العسكرية لا يمنح صاحبه حصانة من التداعيات الاقتصادية والسياسية. كما أن صناديق الاقتراع الأمريكية أكدت أن المواطن الأمريكي لا يفصل بالضرورة بين السياسة الخارجية وتكاليف المعيشة اليومية.

ولا يمكن القول إن إيران خرجت منتصرة نهائياً من هذه المواجهة، كما لا يمكن اعتبار الولايات المتحدة قد فقدت قدرتها العسكرية أو نفوذها الدولي. لكن المؤكد أن واشنطن تواجه اختباراً استراتيجياً وسياسياً معقداً، وأن استمرار الحرب دون أفق واضح للتسوية قد يجعل كلفتها أكبر من المكاسب التي تسعى الإدارة إلى تحقيقها.

إن أخطر ما في المشهد أن يتحول مضيق هرمز من ورقة ضغط إيرانية إلى شرارة مواجهة إقليمية ودولية أوسع، تتضرر منها الدول المنتجة والمستهلكة للطاقة، وتدفع الشعوب فاتورة صراع لا تملك قرار إشعاله أو إطفائه.

 

ترامب اليوم أمام واقع مختلف مضيق هرمز يفرض حساباته على القوة الأمريكية، والكونغرس الجديد يضع سياساته تحت رقابة أشد، والاقتصاد الأمريكي يتأثر بتداعيات المواجهة. إنها لحظة تكشف أن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع وحدها إدارة العالم، وأن الانتصار الحقيقي ليس في إشعال الحروب، بل في القدرة على حماية المصالح وتحقيق الاستقرار وتجنب استنزاف الشعوب والاقتصادات.

فهل يختار ترامب طريق التسوية السياسية، أم يواصل الرهان على القوة في معركة تتسع تكلفتها يوماً بعد يوم؟

ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة.

 

وأنا سأكتب للوطن حتى أنفاسي الأخيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى