بارا.. فرقانُ السودانِ وانبلاجُ الفجرِ البدري

الظهيرة – حسن الدنقلاوي:
لم تكن “بارا” في ميزانِ التاريخِ العسكري مجردَ إحداثيةٍ جغرافيةٍ استعصت على البغاة، أو نقطةِ ارتكازٍ تم استردادُها بقوةِ السلاح، بل كانت “الميقاتَ الزماني” الذي اختارهُ القدر ليُعيدَ صياغةَ الوجدانِ السوداني على هديِ المعاركِ الكبرى. إنَّ ما شهدتهُ هذه المدينةُ الكريمة في ليلتها الغراء، وما سطرهُ جندُنا البواسل على رمالِها الطاهرة، لم يكن واقعةً حربيةً عابرة، بل هو الامتدادُ الروحيُّ والتاريخي لليلةِ بدرٍ الأولى.
ميثاقُ الدمِ واستعادةُ الذاكرةِ “البدرية”
وكما انشقَّ ليلُ مكةَ القديم عن فجرٍ أعزَّ اللهُ فيه جندَهُ ونصرَ عبدَهُ، انقشعَ ليلُ الغدرِ والتربص عن “بارا”، ليعلنَ للعالمِ أجمع أنَّ “الفئةَ القليلة” المؤمنة بعدالةِ قضيتها، ما تزالُ هي الغالبةُ بإذنِ ربها، مهما تكالبت عليها الخطوبُ أو استأسدَ في وجهها الباطل. لقد كانَ تحريرُ هذه المدينة بمثابةِ “فرقانٍ سوداني” حديث؛ فُصِلَ فيهِ بحدِّ السيفِ ويقينِ القلبِ بينَ باطلٍ توهمَ أنَّ الأرضَ مُباحةٌ والعِرضَ مُستباح، وبينَ حقٍّ جنديٍّ أقسمَ ألَّا تُداسَ كرامةُ أهلهِ وفيهم عرقٌ ينبض أو عينٌ تطرف.
إنَّ الربطَ الوجداني بينَ “بارا” و”بدر” ليسَ مجردَ استعارةٍ لغويةٍ لغرضِ الحماس، بل هو اتحادٌ عضوي في المنهجِ والمصير. فذاتُ السكينةِ التي نزلت على قلوبِ العُصبةِ المؤمنةِ في العريش، هي ذاتها التي ظلت تُظللُ خنادقَ أبطالنا وهم يقتحمونَ لُججَ الموتِ ليمنحوا شعبهم شاطئَ الحياة. إنها الروحُ “البدرية” الكامنة في جيناتِ الإنسانِ السوداني، والتي تنبعثُ في اللحظاتِ الفارقة لتؤكدَ أنَّ هذا الشعبَ عصيٌّ على الانكسار، وأنَّ ترابَهُ مَسقيٌّ بمدادِ اليقينِ قبلَ دماءِ الشهادة.
عهدُ الثباتِ وفلسفةُ النصر
وعليهِ، فإنَّ انتصار “بارا” ليس محطةً للوقوفِ واستراحةَ المحارب، بل هو مبتدأُ العهدِ ومنتهى الوفاء. إننا اليوم، وأمامَ جلالِ التضحياتِ التي بذلها هؤلاء الأبطال، نُجددُ ميثاقَ الشرفِ الغليظ؛ ميثاقاً ممهوراً بدماءِ الشهداء التي لم تجف، وأنينِ الأرضِ التي اهتزت وربت حينَ استقبلت خطواتِ أبنائها الأبرار.
إنَّ الجندي السوداني، وهو يقفُ اليومَ شامخاً على ثغورِ الوطن، يرفعُ جبهتَهُ للسماءِ لا ليحيي النصرَ فحسب، بل ليُبايعَ شعبهُ وأمتهُ على:
الذودِ عن العِرضِ والتراب حتى آخرِ شهيق، بلا ترددٍ أو وجل.
صونَ الأمانةِ الربانية التي استودعها اللهُ في عنقهِ، مُستحضراً قوله ﷺ: “الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخير”.
رفضِ المساومة على سيادةِ الأرض، فالمواطنُ السوداني لا يقبلُ في كرامتهِ تفاوضاً، ولا في ترابهِ بيعاً ولا شراءً.
حراسُ الفجرِ وبُناةُ المجدِ الآتي
ستظلُّ سيرةُ “بدر” هي المشكاةُ التي تُبددُ ظلماتِ اليأس، وبسالةُ جندِنا هي القوةُ الضاربةُ التي تُحطمُ أحلامَ الطامعين، ويقينُنا بنصرِ الله هو الملاذُ الحصينُ الذي نأوي إليهِ كلما ادلهمت الخطوب.
إنَّ الرسالةَ التي صاغتها “بارا” بلهيبِ الرصاصِ وعزيمةِ الرجال هي: “أن تظلَّ هذه الأرضُ محروسةً بالتهليلِ والتكبير، طاهرةً مطهرةً من دنسِ الخيانة، لا يطؤها باغٍ إلا واندحرَ صاغراً، ولا يمسُّ كرامتَها طامعٌ إلا وارتدَّ كيدهُ في نحرهِ حسرةً وندامة”.
فإلى الأمامِ يا أحفادَ الصحابة، ويا حماةَ العقيدةِ والديار؛ فأنتم اليومَ حُراسُ الفجرِ الأوائل، والمهندسون الحقيقيون لمجدِ السودانِ الجديد. أنتم الضمانُ الأوفى لغدٍ تُرفرفُ فيه راياتُ الحقِّ خفاقةً، عزيزةً، ومنصورةً فوقَ كلِّ ذرةِ رملٍ من ترابِنا الغالي، من حلفا إلى نمولي، ومن الجنينة إلى سواكن.
إنَّ التاريخَ لا يكتبهُ إلا الأقوياءُ بفضلِ الله، و”بارا” قد كتبت سطرها الأول في كتابِ الخلود؛ سطرٌ يقولُ إنَّ الحقَّ لهُ رجالٌ يحمونه، وإنَّ الباطلَ مهما انتفشَ فإنهُ كانَ زهوقاً.
عاشت القوات المسلحة درعا عصيا علي كل الدسائس والمؤمرات والمجد والخلود لشهدائنا الأبرار وعاجل الشفاء للجرحي والمصابين
والتحية لكل القوات المساندة للقوات المسلحة ٠٠٠



