مقالات الظهيرة

السودان: حرب في العتمة.. هل تحكم “إدارات الظل” قطاع الطاقة؟

​بقلم الدكتور/ محمد عوض محمد متولي

المحلل والأكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

*أغسطس 2026م*

_______________

​ما يحدث اليوم في ملف الكهرباء بالسودان لا يخرج عن أحد احتمالين لا ثالث لهما: إما عجز إداري فاضح يفتقر لأدنى درجات الكفاءة، وإما وجود “يد خفية” وأصابع متآمرة تعبث بهذا المرفق الحيوي ولم تصل إليها بعد العينُ الراصدة ولا اليدُ الحازمة التي تردعها وتحاسبها.

فبينما تتصاعد نبرة الاستبشار الشديد بالانتصارات الميدانية للقوات المسلحة السودانية المجاهدين وتدفق موجات العودة الطوعية للمواطنين التواقين لأحضان ديارهم، يجد السودانيون أنفسهم أمام “حرب أخرى” تُدار في العتمة؛ حيث يتناوب “الإظلام التام” وتخريب البنى التحتية على خنق أي أمل في الاستقرار، ليبقى السؤال الأبرز: من يحكم السودان فعلياً؟ المؤسسات الشرعية أم أزمات القطاعات الخدمية؟

​إن قراءة المشهد الفني والأمني كشفت عن نمط تدميري ممنهج يتزامن بالند مع كل تقدم عسكري للدولة. فحريق المغذيات الرئيسية في سد مروي، وتوقف محطات التوليد، واستهداف محطة مياه الخرطوم، ثم حريق محطة كهرباء بورتسودان.

وضرب المحطات الحيوية بطائرات “المسيرات” الموجهة بدقة متناهية، ليست مجرد مصادفات عابرة أو أعطال ناتجة عن التغيرات المناخية. إن هذه الدقة الفائقة في الاختراق تؤكد فرضية وجود “اختراق داخلي” وعناصر تعمل من داخل مرافق الدولة لتوفير الإحداثيات للمليشيا المتمردة، وهو ما يتقاطع تماماً مع التحذيرات الصريحة التي أطلقها الفريق أول ياسر العطا حول تكبيل مؤسسات الدولة بعناصر معطلة ومنتمية للتمرد. لقد أضحت هذه “الروابط الخفية” تراهن على ضرب الروح المعنوية للمواطن وتجريده من أدنى مقومات الحياة اليومية.

​وعلى الجانب المالي والإداري، تُدار الأزمة بعقلية تبريرية تفتقر إلى المسؤولية؛ حيث يكتفي وزير الطاقة “أب شنب” المعتصم بإطلاق أرقام صادمة عن خسائر القطاع التي بلغت 9 مليار دولار، والتحسر على دمار 70% من المنشآت النفطية.

ثم إلقاء اللوم على تقلبات الأسعار العالمية للمحروقات، ليختفي بعدها دون تقديم حلول أو خطط استجابة سريعة. لكن ما يغفله الخطاب الرسمي هو السؤال عن هوية القيادات التنفيذية التي تدير القطاع من الداخل.

وفي مقدمتهم المهندس ياسر محمد الشاذلي، مدير شركة النقل، والذي اقترن اسمه برئاسة لجنة تفكيك التمكين بالقطاع.

وهي اللجنة التي تسببت في تجريف وتشريد أكثر من 1200 من كبار المهندسين والفنيين الذين يشكلون “الذاكرة التراكمية” للشبكة القومية للكهرباء ، واستبدالهم بكوادر افتقرت للخبرة الإدارية والهندسية.

فاالأزمة الحقيقية اليوم لا تكمن في قدرات التوليد السليم بالسدود، بل تكمن في شبكات النقل والتوزيع المتهالكة التي تعبث بها الإدارات غير المؤهلة.

​إن التبعة الاقتصادية والإنسانية لهذا الشلل الفني تتعدى مجرد “المعاناة اليومية” للمواطن في شراء المياه أو تلف أدويته وأطعمته، لتتحول إلى نزيف اقتصادي حاد وتهديد مباشر للحياة؛ إذ تشير التقديرات التحليلية بمراكز الدراسات الاستراتيجية إلى أن كل ساعة إظلام تام تكلف الاقتصاد الوطني السوداني نحو 2.3 مليون دولار، أي ما يتجاوز 386.4 مليون دولار أسبوعياً. هذه الخسائر المتراكمة تتسبب في شلل كامل للمصانع

وتراجع الإيرادات العامة للوزارات والولايات بنسبة 18% شهرياً، فضلاً عن طرد المستثمرين وإهدار الموارد الضخمة في حملات الإصحاح البيئي المؤقتة. والأخطر من ذلك هو امتداد الأثر للقطاع الصحي؛ حيث باتت المستشفيات ومراكز غسيل الكلى وبنوك الدم تواجه خطر التوقف المفاجئ، مما يضع حياة الآلاف من المرضى والجرحى على المحك في لحظات حرجة لا تحتمل الانتظار.

​لقد تجاوزت دول العالم، وحتى تلك التي تمتلك موارد أقل بكثير من إمكانيات السودان المائية والشمسية، عقدة انقطاع التيار عبر نماذج تشغيلية حديثة؛ مثل التعاقد مع شركات عالمية كبرى متخصصة لإدارة وتحديث خطوط النقل والتوزيع بعقود أداء قائمة على النتائج، كما حدث في تجارب نيجيريا وباكستان ومصر. وإن الاعتماد الكلي على شبكة كهرباء قومية أحادية ومكشوفة أمنياً في ظل ظروف الحرب يعد خطأ استراتيجياً؛ إذ يتطلب الحل العاجل الاتجاه فوراً نحو “التوليد اللامركزي” عبر إدخال مشروعات الطاقة الشمسية السريعة في الولايات الآمنة لتغذية المرافق الاستراتيجية ومحطات المياه بعيداً عن مخاطر استهداف الخطوط الممتدة.

​ولضمان نجاح هذا التحول دون المساس بالسيادة الوطنية، يجب أن تعتمد الاتفاقيات مع الشركاء الدوليين (كالشركات الروسية أو الصينية) صيغ عقود الإدارة والتشغيل القائمة على الأداء (Performance-Based Management Contracts) أو نظام (BOT) لخطوط النقل الحديثة، بحيث ترتبط دفوعات الشركات بتحقيق نسبة إتاحة للتيار لا تقل عن 95%، مع التزام صارم بنقل التكنولوجيا وتدريب كادر سوداني بديل خلال فترة الامتياز.

وإن الشعب السوداني الذي أثبت صلابة وصابراً استثنائياً، مستعد للتحمل لشهور كاملة إذا لمس خطوات إجرائية حاسمة وجذرية تقطع الطريق على العجز والتآمر.

​إن الكرة اليوم باتت في ملعب القيادة السياسية، وتحديداً أمام رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء “الدكتور كامل”، لإنهاء حالة “دفن الرؤوس في الرمال” ووقف شماعة “شح الإمكانيات”. إن المطلوب فوراً هو صدور قرار شجاع يستأصل العلة من جذورها عبر: إقالة وزير الطاقة، واستبعاد القيادات المعطلة وعلى رأسها مدير شركة النقل، وإعادة الكفاءات الوطنية المُشردة.

بالتوازي مع التعاقد العاجل مع الشركات العالمية لإعادة هيكلة وتحديث البنية التحتية للشبكة، وفرض رقابة أمنية وإدارية صارمة تتواجد ميدانياً في مواقع العمل. لقد حان الوقت لينتهي هذا النفق المظلم؛ فالسودان لا يحتاج لتبريرات خاوية، بل يحتاج إلى عمل حاسم ونور دائم يعيد للبلاد هيبتها واستقرارها.

_______________

 

*​#إقالة وزير الطاقة وكل من يعبث بمصالح وخدمات المواطن السودانى مطلب شعب ى*

_______________

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى