(أذان صاغية) مجلس الوزراء الانتقالي.. السلطة التنفيذية العليا ومسؤولية إدارة الدولة في ظل الوثيقة الدستورية المعدلة

بقلم: د. عامر إبراهيم محمد المحامي
خبير في القانون الدولي الإنساني
يمثل مجلس الوزراء الانتقالي المحور الأساسي لإدارة شؤون الدولة وتنفيذ السياسات العامة، باعتباره السلطة التنفيذية العليا وفقاً للوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية.
وقد جاءت التعديلات التي أعقبت اتفاق جوبا لسلام السودان لتحدث تغييراً في تشكيل هذه المؤسسة، وتوسع قاعدة المشاركة فيها، بما يعكس الترتيبات السياسية التي صاحبت عملية السلام.
وتبرز أهمية دراسة مجلس الوزراء في ضرورة فهم طبيعة سلطته التنفيذية، وحدود علاقته بمجلس السيادة والمجلس التشريعي، والمسؤولية الدستورية والسياسية التي تقع على عاتقه في إدارة البلاد خلال الفترة الانتقالية.
أولاً: تكوين مجلس الوزراء بعد اتفاق جوبا
نصت الوثيقة الدستورية المعدلة على أن يتكون مجلس الوزراء من رئيس وعدد من الوزراء من الكفاءات الوطنية، وفقاً للترتيبات وآليات الترشيح المنصوص عليها.
وقد منح اتفاق جوبا أطراف العملية السلمية الموقعة عليه نسبة 25% من المشاركة في مجلس الوزراء، بما يعادل خمسة مقاعد وزارية من مجموع عشرين حقيبة وزارية وفق الترتيب المتفق عليه.
ويأتي هذا التمثيل في سياق إدماج الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق السلام في مؤسسات الحكم الانتقالي، وتحويل المشاركة في السلام من مجرد اتفاق سياسي إلى مشاركة في هياكل السلطة.
ويعين رئيس مجلس الوزراء الوزراء وفق قوائم الترشيح المقررة لقوى إعلان الحرية والتغيير وأطراف العملية السلمية، ويعتمد مجلس السيادة أعضاء مجلس الوزراء. أما وزيرا الدفاع والداخلية فيرشحهما المكون العسكري بمجلس السيادة وفق الترتيب الدستوري.
ثانياً: مجلس الوزراء والاختصاص التنفيذي
منحت المادة (15) مجلس الوزراء اختصاصات واسعة باعتباره السلطة التنفيذية العليا، ومن أبرزها:
1. تنفيذ مهام الفترة الانتقالية وبرامجها.
2. العمل على تحقيق السلام وإنهاء الحروب والنزاعات.
3. إعداد مشروعات القوانين وتقديمها للجهة التشريعية المختصة.
4. إعداد مشروع الموازنة العامة للدولة.
5. إعداد المعاهدات والاتفاقيات الدولية والثنائية ومتعددة الأطراف.
6. وضع السياسات والخطط المتعلقة بالخدمة المدنية.
7. تشكيل المفوضيات القومية المستقلة وفق أحكام الوثيقة.
8. تعيين وإعفاء قادة الخدمة المدنية وفق القانون.
9. مراقبة وتوجيه أعمال الوزارات والمؤسسات والهيئات العامة والشركات الحكومية.
10. الإشراف على تنفيذ القوانين واتخاذ التدابير اللازمة لإنجاز مهام الفترة الانتقالية.
11. إصدار اللوائح المنظمة لأعمال مجلس الوزراء.
وتوضح هذه الاختصاصات أن مجلس الوزراء هو المؤسسة المسؤولة عن تحويل السياسات العامة إلى برامج تنفيذية، وإدارة الوزارات والمرافق الحكومية، ومتابعة الأداء الاقتصادي والخدمي والإداري للدولة.
ثالثاً: العلاقة بين مجلس الوزراء ومجلس السيادة
من أهم المسائل الدستورية ضرورة التمييز بين سلطة مجلس السيادة في الاعتماد والاختصاص التنفيذي لمجلس الوزراء.
فمجلس السيادة يعتمد التعيينات التي تتم وفق الإجراءات الدستورية، بينما يتولى مجلس الوزراء إدارة الجهاز التنفيذي والإشراف على الوزارات والمؤسسات العامة.
ولا يعني اعتماد مجلس السيادة لأعضاء الحكومة أن المجلس يملك الحلول محل رئيس الوزراء والوزراء في إدارة أعمالهم اليومية أو إصدار التوجيهات التنفيذية خارج الحدود التي رسمتها الوثيقة.
إن هذا التمييز ضروري لمنع تضارب الاختصاصات، وضمان عدم تحول المؤسسات الدستورية إلى مراكز متنافسة في إدارة الدولة.
رابعاً: المسؤولية السياسية والرقابة التشريعية
لم تمنح الوثيقة الدستورية مجلس الوزراء سلطة تنفيذية دون مساءلة، بل أخضعت أداءه لرقابة المجلس التشريعي الانتقالي.
وتتمثل هذه المسؤولية في مساءلة رئيس الوزراء والوزراء عن السياسات والقرارات والأداء التنفيذي، وممارسة الرقابة على أعمال الوزارات، وإمكانية سحب الثقة وفق الإجراءات الدستورية.
وتأخذ المسؤولية صورتين أساسيتين:
المسؤولية التضامنية، التي تتعلق بموقف مجلس الوزراء وسياساته العامة بوصفه جهازاً تنفيذياً واحداً.
والمسؤولية الفردية، التي يتحمل بموجبها كل وزير مسؤولية أداء وزارته والقرارات التي تدخل في نطاق اختصاصه.
وهذا المبدأ يمثل ضمانة دستورية لعدم إفلات السلطة التنفيذية من المساءلة، ويجعل إدارة الدولة مرتبطة بمبدأ المسؤولية والمحاسبة.
خامساً: الكفاءة والمشاركة السياسية
إن توسيع المشاركة في مجلس الوزراء عقب اتفاق جوبا لا ينبغي أن يكون غاية في حد ذاته، بل يجب أن يقترن بمعايير الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على إدارة مؤسسات الدولة.
فالمشاركة السياسية تمنح الأطراف حق الحضور في مؤسسات الحكم وفق الاتفاقات والنصوص الدستورية، ولكنها لا تعفي شاغلي المناصب من واجب الأداء والمساءلة.
كما أن مسؤولية مجلس الوزراء لا تقتصر على إدارة الأزمات اليومية، وإنما تشمل بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الخدمات، وحماية المال العام، وإصلاح الخدمة المدنية، وإعداد السياسات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
إن مجلس الوزراء في البناء الدستوري المعدل يمثل مركز السلطة التنفيذية العليا، وتقوم مشروعية أدائه على الالتزام بالدستور والقانون، واحترام اختصاصات بقية المؤسسات، والخضوع للرقابة والمساءلة.
فالدولة لا تستقيم بمجرد تشكيل حكومة تضم أطرافاً سياسية متعددة، وإنما تستقيم عندما تتحول المشاركة إلى مسؤولية، والسلطة إلى خدمة عامة، والاختصاص إلى أداء خاضع للمحاسبة.



