(أذان صاغية) سلسلة انتصارات معركة الكرامة (1).. القضارف.. البوابة الشرقية وصمود الأرض في وجه التمدد!!

بقلم د . عامر ابراهيم محمد المحامي
خبير في القانون الدولي الإنساني
لم تكن ولاية القضارف، في مسار الحرب التي اندلعت في السودان في الخامس عشر من أبريل 2023، مجرد ولاية بعيدة عن مركز الصراع؛ فقد تحولت إلى واحدة من أهم مناطق الإسناد والاستقبال والتأمين، واكتسبت أهمية استراتيجية متزايدة مع امتداد العمليات العسكرية إلى ولايتي الجزيرة وسنار، واقتراب التهديدات من حدودها الغربية.
ومن هنا تأتي أهمية التوقف عند تجربة القضارف ومحور الفاو، باعتبارهما جزءاً مهماً من المشهد العسكري والإنساني في معركة الكرامة، وبوابة لفهم التحولات التي شهدتها الجبهة الشرقية والوسطى.
وقد برزت منطقة الفاو بوصفها موقعاً استراتيجياً مهماً، بحكم اتصالها الجغرافي بولاية الجزيرة، وأهميتها في حماية الطرق والمناطق الزراعية وخطوط الحركة والإمداد بين شرق البلاد ووسطها.
وفي الثامن عشر من مارس 2024، أعلنت القوات المسلحة صد هجوم لقوات الدعم السريع على منطقة الفاو، في مواجهة عكست أهمية هذا المحور في حسابات الطرفين. وأشارت تقارير صحفية إلى وقوع اشتباكات في منطقة اللواء الخامس، وتحدثت عن خسائر في الآليات والأفراد، مع اختلاف الروايات بشأن حجم تلك الخسائر.
ولم تكن تلك المواجهة الأخيرة؛ ففي العاشر من أغسطس 2024، تصدت القوات المسلحة والقوات المساندة لهجوم قرب منطقة ود فقيشة على الحدود بين ولايتي القضارف والجزيرة، وفق ما نقلته صحيفة «سودان تربيون» عن مسؤول محلي. وقد أظهرت هذه المواجهة أن التهديد لم يكن محصوراً في الفاو وحدها، بل امتد إلى مناطق التماس والطرق المؤدية إلى الولاية.
وتكشف بيانات المنظمة الدولية للهجرة عن حجم أزمة النزوح في شرق السودان؛ إذ سجلت ولاية القضارف زيادة كبيرة في أعداد النازحين خلال عام 2024، وكانت من الولايات الأكثر استضافة للنازحين على مستوى البلاد. كما أظهرت بيانات المنظمة أن عدد النازحين في ولايات شرق السودان الثلاث، القضارف وكسلا والبحر الأحمر، اقترب من 1.8 مليون شخص حتى الثالث من ديسمبر 2024، وكانت القضارف تستضيف النصيب الأكبر منهم.
وراء هذه الأرقام حكايات إنسانية لا تختصرها التقارير: أسر غادرت منازلها على عجل، وأطفال انقطعوا عن مدارسهم، ومرضى فقدوا انتظام علاجهم، وأمهات حملن مسؤولية حماية أبنائهن في ظروف قاسية. وفي المقابل، برزت مواقف التكافل الاجتماعي واستقبال النازحين وتقاسم المأوى والاحتياجات الأساسية، وهي قيم أصيلة عُرف بها المجتمع السوداني.
لقد أثبتت القضارف أن صمود الجبهة لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، وإنما بتكامل دور القوات المسلحة والقوات المساندة والمواطنين ومؤسسات الدولة والمجتمع. وظلت الولاية، رغم التهديدات والضغوط، عمقاً مهماً لاستقبال النازحين وإسناد الجهود الرامية إلى استعادة الأمن والاستقرار.
وتبقى تجربة الفاو والقضارف محطة تستحق التوثيق في سجل هذه الحرب؛ لأنها تكشف كيف يمكن لموقع جغرافي أن يتحول إلى محور استراتيجي، وكيف تتحول الولاية الآمنة نسبياً إلى ملاذ لآلاف الأسر التي أرهقتها الحرب.
وفي الحلقة القادمة، ننتقل إلى جبل موية؛ ذلك الموقع الاستراتيجي الذي مثّلت استعادته في الخامس من أكتوبر 2024 تحولاً مهماً في مسار العمليات العسكرية، وفتح الطريق أمام تطورات لاحقة في محوري سنار والجزيرة.



