مقالات الظهيرة

(آذان صاغية) سلسلة انتصارات معركة الكرامة (3)… سنار.. استعادة المدن وعودة الأمل

بقلم: عامر إبراهيم محمد المحامي

خبير في القانون الدولي الإنساني

تمثل سنار محطة محورية في مسار معركة الكرامة؛ فقد شهدت الولاية تحولات عسكرية متتابعة، بدأت بفقدان مواقع مهمة، ثم تقدمت القوات المسلحة لاستعادة زمام المبادرة. ولم تكن هذه التحولات مجرد تبدل في السيطرة على الأرض، بل كانت مرتبطة بحياة المواطنين، ونزوح الأسر، وتعطل الخدمات، وتطلع الناس إلى العودة إلى ديارهم واستعادة الاستقرار.

سنار.. من الانكسار إلى استعادة زمام المبادرة

لم تكن سنار ولاية عادية في حسابات الحرب؛ فهي من الولايات ذات الثقل التاريخي والاقتصادي، وتربط جغرافيتها بين مناطق وسط السودان وجنوبه الشرقي، كما تضم مدناً ومناطق ذات أهمية استراتيجية، من بينها سنجة وسنار والدندر والسوكي وأبو حجار والمزموم.

ومع اتساع رقعة الحرب في يونيو 2024، دخلت الولاية مرحلة بالغة الصعوبة، بعدما تقدمت قوات الدعم السريع إلى مواقعها، وسيطرت على جبل موية، ثم وصلت إلى سنجة، عاصمة الولاية، في أواخر الشهر ذاته. وقد أدى ذلك إلى تراجع القوات المسلحة من عدد من المواقع، وتفاقم مخاوف المواطنين من امتداد القتال إلى مناطق أخرى.

الدندر والسوكي.. استعادة المواقع وفتح الطريق

مع بداية أكتوبر 2024، بدأت القوات المسلحة عملية عسكرية لاستعادة المناطق التي فقدت السيطرة عليها في ولاية سنار. وتقدمت القوات عبر عدة محاور، مستفيدة من استعادة جبل موية وما ترتب عليها من تغير في خطوط الحركة والإمداد.

وفي الثالث والعشرين من أكتوبر 2024، أعلنت القوات المسلحة استعادة مدينة الدندر بعد معارك مع قوات الدعم السريع. وقد مثّلت الدندر موقعاً مهماً بحكم اتصالها بولاية القضارف، كما كان لاستعادتها أثر في تضييق مسارات الإمداد والتحرك أمام القوات التي كانت تسيطر على أجزاء من سنار.

وفي الرابع والعشرين من أكتوبر، استعاد الجيش مدينة السوكي، بالتزامن مع تقدم قواته في مناطق جنوب الولاية، الأمر الذي عزز الضغط العسكري على مواقع الدعم السريع، ومهد لمراحل لاحقة من العمليات باتجاه سنجة.

إن استقبال القوات المسلحة بالترحاب، حيث عبّر المواطنون عنه، يعكس تطلعهم إلى الأمن والاستقرار وعودة مؤسسات الدولة. كما أن عودة النازحين إلى مناطقهم تمثل خطوة مهمة في استعادة الحياة الطبيعية، لكنها تتطلب تهيئة الظروف الأمنية والخدمية، وضمان حماية المدنيين وممتلكاتهم.

وقد عانى سكان سنار، مثل غيرهم من مواطني المناطق التي شهدت الحرب، من النزوح والخوف وتعطل الخدمات، وتحدثت تقارير عن اتهامات لقوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات شملت القتل والنهب والتهجير في عدد من مناطق الولاية. ويقتضي التوثيق الصحفي والقانوني التعامل مع هذه الوقائع بجدية، وتحديد أماكنها وأزمنتها، وجمع شهادات الضحايا والأدلة، وعدم الاكتفاء بالروايات العامة.

إن ما تحتاجه سنار اليوم لا يقتصر على استعادة المواقع، بل يشمل إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وجبر الضرر، ومساعدة الأسر على العودة، وإحياء قيم التكافل التي عُرف بها المجتمع السوداني. فالحرب قد تترك آثاراً في العلاقات الاجتماعية لا تقل خطورة عن الدمار المادي، ولا بد من معالجتها بالحكمة والعدل والإنصاف.

سنار.. محطة في طريق استعادة الوطن

إن استعادة الدندر والسوكي وجبل موية، ثم سنجة، شكّلت مراحل متتابعة في استعادة زمام المبادرة بولاية سنار. وقد أثبتت هذه التطورات أن التحولات العسكرية لا تُقرأ بمعزل عن الجغرافيا وخطوط الإمداد، ولا عن أثرها في حياة المواطنين ومصير الأسر النازحة.

وتظل سنار، بتاريخها وموقعها ومجتمعها، شاهداً على أن معركة الكرامة لم تكن معركة مواقع فحسب، بل معركة من أجل استعادة الأمن وعودة الحياة المدنية وصون كرامة الإنسان السوداني.

وفي الحلقة القادمة من سلسلة انتصارات معركة الكرامة (4)، ننتقل إلى ولاية الجزيرة، ونرصد تطورات استعادة مناطقها، وما شهدته من معاناة إنسانية ونزوح، ثم آمال العودة وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى