مقالات الظهيرة

ياسرمحمدمحمود البشر يكتب…. أطعموهــم ولا تستطعمــوا عنـــدهم!! 

*تتبدل العادات وتتغير ملامح المجتمعات لكن المقلق حقاً هو أن تطال يد التغيير أقدس قيمنا الإنسانية والتكافلية الأصيلة وتحديداً فى مواقف الحزن والمواساة ففى الماضى القريب كان الموت فى حارتنا

وقرانا يجمع القلوب ويسير بالناس نحو مرافئ التكافل والتلاحم واليوم نرى بألم كيف تحولت سرادق العزاء من مساحة لتخفيف العبء عن أهل المتوفى إلى عبء مالى واجتماعى واقتصادى إضافى يقع على عاتقهم فى وقت هم فيه أحوج ما يكونون إلى المواساة والراحة النفسية لقد اختفت تدريجياً

من تفاصيل حياتنا تلك المشاهد الحميمة التى كانت تزين أيام المأتم حيث غاب (عامود الغداء) الذى كان ينتقل من بيوت الجيران إلى بيت البكاء محمولاً بالود والمؤازرة كما انزوى (قدح الفطور) الذى كان يجمع المعارف والأهل فى الساعات الأولى من الصباح ليتناولوا لقمة تسند قلوبهم دون أن يلتفتوا إلى من صنعها لأن الجميع كان يعتبر نفسه صاحب الوجيعة واليوم تحول المشهد تماماً فأصبح المعزون من الأهل والجيران والوجهاء يجلسون بانتظار أن يطعمهم أهل الميت وكأنهم في مناسبة احتفالية*

 

*هذا التحول الغريب في سلوكنا المجتمعى لا يمثل صدمة للعادات والتقاليد الفاضلة فحسب بل يتقاطع بشكل صارخ مع التوجيهات الدينية الجلية فخير البشر ومعلم الإنسانية رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، وجّهنا بوضوح شديد حين قال (اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ) إنها دعوة نبوية صريحة لرفع المشقة وتفريغ أهل المصيبة لحزنهم وفاجعتهم بدلاً من إشغالهم بنوعية الطعام وتجهيز الصوانى لمن جاء ليعزيهم لذلك تعالوا اليوم وقبل أن تندثر بقايا الشيم في نفوسنا نعيد ذلك

التكافل الاجتماعى إلى سيرته الأولى بوعى حقيقى وشجاعة مجتمعية تعالوا نعيد (قدح الفطور) إلى مكانه الطبيعى محمولاً بـالعصيدة بالتقلية أو الويكاب أو الروب؛ تلك الأكلات البسيطة والمباركة التى تحمل طعم الأرض وأصالة الناس إن العودة إلى هذه المظاهر ليست نكوصاً للوراء بل هى استرداد لوعى مجتمعى كدنا نفقده وسط مظاهر البهرجة والزيف*

 

*تعالوا نعيد (عامود الغداء) الملىء بـالكسرة والسلطة وملاح أم رقيقة أو أى طعام آخر يستر الحال ويشبع الجياع دون تكلف أو رياء وحتى إن ضاقت الظروف وقست الأيام فلتكن كسرة بموية عليها بصلة وملح فالمقصد ليس فخامة المائدة بل روح المشاركة والمساندة إن القيمة الحقيقية تكمن في اللقمة التى تُقدم بقلب صادق لتخفف الألم لا فى الأطباق المستوردة التى تُرهق الميزانيات وتُصنع للمظاهر إذا عجزنا عن العون لأي سبب كان عن المشاركة فى إعداد الطعام وتقديمه لأهل المتوفى فعلينا كأضعف الإيمان أن لا نرهقهم بانتظار الضيافة من غير المقبول إنسانياً أن يجلس المعزى لساعات طوال منتظراً وجبته بينما أصحاب البيت يبحثون عن ديون يغطون بها تكاليف إطعام مئات الزوار إن الكف عن إرهاق أهل الميت بالالتزامات الغذائية هو شكل من أشكال التكافل السلبى المحمود ورحمة مطلوبة فى أوقات الأزمات*.

 

*تعالوا نخطو خطوة شجاعة نحو الأمام ونحدد مواعيد واضحة ومتفق عليها لتلقى العزاء لتكون مثلاً من الخامسة مساءً وحتى العاشرة مساءً إن ترك البيوت مفتوحة على مدار الأربع وعشرين ساعة ينهك أهل المتوفى جسدياً ويحرمهم من خلوة الحزن المشروعة تحديد الوقت يمنح أصحاب المصيبة مساحة للراحة والتقاط الأنفاس ويجعل حركة

المعزين أكثر انضباطاً ومراعاة للظرف الإنسانى ثم دعونا نتفق جميعاً على ثقافة الاختصار والاكتفاء فى المآتم بـكوب من الشاى أو فنجان من القهوة فقط العزاء مواساة بالكلمة الطيبة والدعاء الصادق للمتوفى بالرحمة والمغفرة وليس وليمَة تُقام للسامرين إن تغيير هذه السلوكيات يحتاج إلى منصات توعية وإلى مبادرات تبدأ من كبار العائلات والشباب فى الأحياء ليعود للمأتم جلاله وهيبته وللمجتمع تكافله ورحمته*.

 

yassir.mahmoud71@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى