مقالات الظهيرة

ياسر محمد محمود البشر يكتب…أمريــكـا وإيـــران… لعبة المصالح فى مياه الخليج!!

*شهدت الدبلوماسية الدولية انعطافة تاريخية غير مسبوقة مع توقيع الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية على مذكرة تفاهم تنهي رسمياً حرب الـ ١١٠ يوم التى عصفت بالمنطقة وهددت سلاسل إمداد الطاقة العالمية لم يكن هذا الاتفاق الذى جاء نتاج جولات تفاوضية ماراثونية برعاية باكستانية وعُمانية مجرد وثيقة لوقف إطلاق النار أو تبريد الجبهات العسكرية بل جاء بمثابة إعادة صياغة شاملة لترتيبات الأمن والاقتصاد في الشرق الأوسط واضعاً حداً لعملية الغضب العارم ومؤسساً لمرحلة جديدة من العلاقات المباشرة بين الخصمين اللدودين

وأبرز ما حملته هذه التفاهمات تجلى فى الشق المالى الضخم حيث أُعلن عن تأسيس صندوق إعادة الإعمار والتنمية بقيمة مذهلة بلغت ٣٠٠ مليار دولار مخصصة لضخ استثمارات حيوية في البنية التحتية.

والقطاعات النفطية الإيرانية المتضررة هذه الخطوة تعكس تراجعاً أمريكياً عن استراتيجية الخنق الإقتصادى الشامل مقابل مكاسب جيوسياسية إذ تمنح طهران فوراً إعفاءات لتصدير النفط الخام ومشتقاته والوصول إلى المعاملات المصرفية الدولية مما يعيد شريان الحياة المالى للنظام الإيرانى قبل حتى الخوض في التفاصيل المعقدة للملف النووى*.

 

*ومع ذلك فإن عبقرية الاتفاق من المنظور الأمريكى تكمن في ذكاء تمرير الفاتورة فالإدارة الأمريكية مدفوعة بضغوط داخلية ورفض قاطع من دافع الضرائب الأمريكي لتمويل الخصوم قامت بنقل العبء المالى بالكامل إلى ساحة أخرى لقد تم تصميم الصندوق كأداة استثمارية وتنموية تشكل فيها دمجاً للائتلاف الخليجي كشريك وممول رئيسى لتجد دول الخليج مجتمعة نفسها أمام واقع سياسى يلزمها بدفع التزامات مالية ضخمة تحت غطاء الاستثمارات الإقليمية المشتركة كفاتورة لا غنى عنها لضمان أمن الملاحة واستقرار الخليج العربى على أن تتحمل العواصم الخليجية مجتمعة العبء الأكبر من هذه المليارات بهدف شراء أمن ممراتها المائية وتجنب سيناريوهات الدمار وصدمات أسعار الطاقة لا سيما بعد الإغلاق الكامل الذى فرضه الجانب الإيرانى على مضيق هرمز خلال أشهر الحرب وبالنسبة لطهران فإن هذه الأموال الضخمة الموجهة لقطاعات اللوجستيات والمطارات لا تُقرأ إلا كتعويضات مقنعة عن أضرار الحرب والحصار تمت صياغتها سياسياً بلغة الاستثمار الدولى لتجنيب كافة الأطراف الحرج الداخلى*.

 

*لكن المفاجأة الكبرى التى صدمت المراقبين وصنّاع القرار والتى مثلت الشرخ الأعمق فى جدار هذه الوثيقة التاريخية كان الغياب المطلق والكامل لاسم إسرائيل فلم يرد ذكرها لا من قريب ولا من بعيد فى متن الاتفاقية أو كواليسها الرسمية هذا التجاهل المتعمد يمثل سابقة في تاريخ المعاهدات الأمريكية المتعلقة بالشرق الأوسط حيث جرت العادة أن تكون الهواجس والمصالح الإسرائيلية هي حجر الزاوية والشرط الأول فى أي تحرك دبلوماسى لواشنطن تجاه طهران ويعكس هذا الإقصاء الممنهج رغبة أمريكية وإيرانية مشتركة في عزل مسار التفاوض عن التعقيدات الأيديولوجية والعسكرية التى تفرضها تل أبيب والتي كادت أن تجر المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة لا تنتهي لقد أدركت واشنطن بحكم الواقعية السياسية أن إقحام المطالب الإسرائيلية أو ربط الاتفاق بأمنها المباشر كان سيعنى بالضرورة فشل المفاوضات فى مهدها ففضلت عزل حليفتها التاريخية خلف الأبواب المغلقة وتمرير الاتفاق كمسألة أمن قومي أمريكى خالص*.

 

*ومن جهتها ترى طهران فى هذا التغافل انتصاراً سياسياً واستراتيجياً بامتياز إذ نجحت في فرض شروطها بوقف الحرب ونيل الاعتراف بسيادتها السياسية والاقتصادية دون تقديم أي تنازلات أو التزامات تتعلق بملف الصراع العربى الإسرائيلى أو وكلائها فى المنطقة كحزب الله والحوثيين لقد استطاع المفاوض الإيرانى انتزاع صك الغفران المالى والسياسى من القوة العظمى فى العالم مع الإبقاء على جبهة المواجهة مع تل أبيب مفتوحة وخاضعة لقواعد اشتباك منفصلة تماماً هذا المشهد يضع إسرائيل اليوم في عزلة دبلوماسية مقلقة حيث تجد نفسها غير ملزمة بنصوص اتفاق لم تشارك فيه وفى ذات الوقت عاجزة عن عرقلة مسار أمريكى خليجى يتجه نحو التهدئة الشاملة وبناء الشراكات الاقتصادية مع طهران إن تحييد تل أبيب في هذه المذكرة يبعث برسالة قاسية لليمين الإسرائيلى مفادها أن المظلة الأمريكية رغم قوتها لها حدود تقف عندها عندما تتعارض الحروب الإقليمية مع مصالح واشنطن الاقتصادية وحرية التجارة العالمية*.

 

نــــــــــــص شــــــــــــوكة

 

*من خلال بنود هذا الإتفاق فإنه يؤسس لشرق أوسط جديد محكوم بلغة الأرقام وتوازن المصالح البراغماتية حيث تدفع دول الخليج المليارات ثمناً للاستقرار وتجني إيران ثمار صمودها العسكرى والإقتصادى بينما تقف واشنطن فى موقع المايسترو الذي أعاد صياغة قواعد اللعبة ويبقى السؤال المعلق في فضاء المنطقة إلى أي مدى يمكن لاتفاق أهمل الفاعل الإسرائيلى الرئيسى في الصراع أن يصمد أمام عواصف الميدان ومفاجآت الـ ٦٠ يوماً القادمة من المفاوضات النهائية*

 

ربــــــــــع شـــــــوكة

 

*تكتفى أمريكا بدور المتفرج وستدفع دول الخليج مجتمعة تعويضات الخسائر الإيرانية وستدفع تعويضات خسائر إسرائيل قبل أن تدفع لإيران*.

 

 

yassir.Mohammed@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى