(همسة وطنية) دكتور طارق عشيري يكتب… ماذا يحتاج المواطن السوداني؟

في مرحلة ما بعد الحرب، لا ينبغي أن يكون السؤال: من يحكم؟ ومن يتقدم؟ ومن يملك القرار؟ بل يجب أن يكون السؤال الأكبر: ماذا يحتاج المواطن السوداني؟
هذه هي النقطة التي يجب أن نبدأ منها إذا أردنا أن نبني (دولة جديدة تستحقها الأجيال القادمة)
لقد (أنهكت الحرب) المواطن، وأثقلت كاهله الأزمات، وغيّرت كثيراً من تفاصيل حياته. ولذلك فإن المرحلة القادمة تحتاج إلى (عقل سياسي وإداري جديد)، يجعل الإنسان السوداني في (مقدمة الأولويات)، لا في آخر قائمة الاهتمامات.
لنجعل المواطن همّنا الأول.
أن يشعر المواطن (بالأمان في بيته وشارعه). أن يجد (العلاج عندما يمرض)، و(التعليم) عندما يبحث عن مستقبل أبنائه، و(العمل) عندما يريد أن يعيل أسرته، و(الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية) دون أن تتحول حياته إلى رحلة يومية من المعاناة.
ولنجعل المواطن محور الاقتصاد أيضاً. فالاقتصاد لا (يُقاس) فقط بحجم الإيرادات والمشروعات، وإنما بقدرته على( تحسين حياة الناس)، وتوفير فرص العمل، وتشجيع الإنتاج، وحماية القوة الشرائية، وفتح الطريق أمام الشباب ليصنعوا مستقبلهم بأيديهم.
ولنجعل المواطن حاضراً في صناعة القرار. فالدولة الحديثة لا تنظر إلى شعبها باعتباره( متلقياً للقرارات) فقط، و(إنما شريكاً في البناء).( نستمع إليه)، نعرف احتياجاته، و(نقيس نجاح السياسات) بما تحققه له على أرض الواقع.
لقد حان الوقت لأن ننتقل من دولة (تتحدث عن المواطن) إلى (دولة تعمل من أجل المواطن)
نحتاج إلى مؤسسات قوية، ولكن (قوتها)يجب أن تنعكس على حياة الناس. نحتاج إلى قوانين عادلة، ولكن عدالتها يجب أن يشعر بها المواطن. نحتاج إلى خطط واستراتيجيات، ولكن قيمتها الحقيقية تبدأ عندما تتحول من( أوراق) إلى( خدمات وفرص وحياة أفضل)
السودان يمتلك الموارد والعقول والطاقات، وما نحتاجه هو أن نضع هذه الإمكانات في الاتجاه الصحيح. أن تصبح (الزراعة)وسيلة لإطعام المواطن وتحسين دخله، و(الصناعة) طريقاً للعمل والإنتاج، و(التعليم) صناعةً للمستقبل، و(التكنولوجيا) أداةً لتسهيل حياة الناس، و(الإدارة) وسيلةً لخدمة المواطن لا لتعقيد حياته.
وفي مرحلة ما بعد الحرب تحديداً، يجب أن تكون( كرامة المواطن جزءاً من مشروع إعادة بناء الدولة).( فالنازح) الذي يعود إلى منزله يحتاج إلى أكثر من العودة؛ يحتاج إلى( بيئة آمنة وخدمات وفرصة لحياة مستقرة. والأسرة )التي فقدت مصدر دخلها تحتاج إلى فرصة جديدة، والشاب الذي توقفت أحلامه بسبب الحرب يحتاج إلى طريق يعود من خلاله إلى المستقبل.
وهنا يأتي دور الدولة والمجتمع والقطاع الخاص وكل القوى الوطنية: أن نضع الإنسان قبل الحسابات الضيقة، وأن نبحث عن المشترك الذي يجمع السودانيين.
فالسودان لا يُبنى فقط من الخرسانة والطرق والجسور، بل يُبنى أيضاً بإعادة الثقة إلى المواطن، وإعادة الأمل إلى الأسرة، وإعادة الطموح إلى الشباب.
ولعل أهم درس يجب أن نتعلمه من السنوات الماضية هو أن المواطن لا يريد أن يكون مجرد متفرج على مستقبل بلاده؛ إنه يريد أن يكون جزءاً منه.
فلنفتح له الأبواب.
فلنمنحه الفرصة.
فلنحترم كرامته.
ولنجعل كل مسؤول يسأل نفسه قبل اتخاذ أي قرار: كيف سيؤثر هذا القرار على المواطن؟
إذا أصبح هذا (السؤال حاضراً) في الاقتصاد والسياسة والتعليم والصحة والأمن والخدمات، فإننا نكون قد بدأنا بالفعل في بناء الدولة التي نريدها.
لنجعل المواطن همّنا الأول، لا لأن المواطن يحتاج إلى الدولة فقط، بل لأن الدولة نفسها لا تكتسب معناها الحقيقي إلا بخدمة مواطنيها.
السودان الجديد الذي نحلم به يبدأ من( الإنسان السوداني)؛ فإذا( صلح حال المواطن)، بدأت ملامح الوطن في( التعافي)، وإذا عاد إليه( الأمل)، عاد الوطن كله إلى طريق البناء.
فلنضع الإنسان أولاً… ولنبدأ من المواطن وسودان مابعد الحرب اقوي واجمل



