مقالات الظهيرة

(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب… مارش… عودة الروح!!

لم يكن الأمر مجرد فحوصات روتينية لعينين مجهدتين، بل كان مخاضاً تراجيدياً مرعباً، تسللت فيه أصابع الهلع لتقبض على عنق القلم. في تلك اللحظات المعلقة بين جدران المشافي الباردة، اندلع في داخلي صراع أسطوري بين موجتين عنيفتين.

موجة غسقية سوداء تهدر برعب الفقد، وتهمس في روعي: “ماذا لو انطفأت النوافذ؟ ماذا لو جفّ هذا الشريان السائل الذي يربطك بنبض الناس ونخبة الفكر؟”. كان التوجس مرعباً، يضرب في أعماق الوجدان كموسيقى جنائزية مضطربة الإيقاع، تتسارع دقاتها مع كل مراجعة دقيقة، وتكاد تعلن السقوط الأخير لمدادٍ طالما كان صوته هادراً في “همس الأربعاء”، فإن خوف الكاتب من فقدان بصيرته وبصره ليس خوفاً بيولوجياً، إنه ذعر الكائن من العودة إلى العدم، وخلف هذا الخوف كان يكمن شبح صمت الحبر واحتجاب الموقف.

وفجأة… وسط هذا الصخب الداخلي المتلاطم وتصاعد النغمات الحزينة، انشق حجاب الغيب عن لطف إلهي غامر، وتكللت المراجعات الدقيقة بالسلامة التامة، لتأتي النتائج الطيبة كصعقة ضوء بددت عتمة المخاوف، وقلبت النحيب المكتوم في الروح إلى مارشٍ صاخب يحتفي بالحياة والعودة. لقد كان الفرج هنا زلزالاً عكسياً؛ لم يعِد الطمأنينة إليّ بهدوء، بل بث فيّ الروح ببراعة مدهشة، وفجّر في داخلي ينابيع من الطاقة المتجددة التي تكاد تطير بحرفي إلى آفاق غير مسبوقة.

هذا الوجدان الإبداعي الذي تلاطمت فيه أمواج الرعب والأمل، يستقر اليوم على أرضية صلبة من اليقين والدهشة، لأعود إليكم، ليس كمن نجا من عارض صحي فحسب، بل كمن نبتت له أجنحة جديدة من رحم المعاناة، ليكون هذا القلم —كما عهدتموه— أكثر رصانة، وأشد جزالة، وأعظم قدرة على ملامسة قضايا الإنسان بأسلوب إبداعي باذخ التكنيك، يطوي المسافات ليبقى دائماً في الصدارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى