(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب…. في رحيل : نبيل القمس!!
حين تُختصر الأوطان في ملامح رجل، وتتحول المدن إلى فكرة نابضة من لحم ودم، يقف التاريخ إجلالاً على ضفاف النيل الأزرق ليرسم لوحة الوفاء الباذخة؛ لوحة بطلها رحل جسداً وبقي أثراً، نبيل القمس، الأيقونة التي صاغت بعبقرية إنسانية نادرة سفر التعايش والتلاحم في وجدان “ودمدني” العريقة.
لم يكن الراحل مجرد اسمٍ يمر عابراً في دفاتر الطائفة القبطية، بل كان مهندساً وجدانياً أجاد ضبط زوايا العلاقات الاجتماعية، ومواطناً غيوراً تذوب تحت يديه كل الفوارق الضيقة. من محراب الكنيسة ورعاية شؤونها، إلى قيادة العمل الخدمي في “القسم الأول” والمجلس البلدي، وصولاً إلى مقعده في المجلس التشريعي لولاية الجزيرة، كان يتحرك بدافعٍ واحد هو الانتماء الخالص لتراب هذه المدينة، مبرهناً على أن القلوب الكبيرة لا تسأل عن الهوية بل تمنح العطاء بلا شروط.
ولودمدني قدسية خاصة تفيض من أزقتها وتجاعيد بيوتها الحاضنة لروح الألفة؛ تلك المدينة التي لطالما كانت ملمات أهلها وتعارفهم طقساً مقدساً يتجاوز العابر والمؤقت، حيث يتقاسم المسلم والمسيحي الفرح والترح في تلاحم يومي مألوف يجرى مجرى الدم في العروق. وفي هذه الأجواء المضمخة بطهر العلاقات، تجلت أبهى صور تلك “الهندسة الإنسانية” في خطوات الراحل الواثقة وهي تخترق باحة “جامع الصائم” في شهور رمضان المباركة. هناك، على بسط الإفطار الرمضاني، في ذلك المكان الذي يحمل قدسية خاصة لدى الجميع، كان القمس يتربع بروح التشارك الرفيعة، يطوي المسافات بين الأديان بكأس محبة ويدٍ تمتد بالخير ، ليؤكد للجميع أن مائدة الإنسانية أرحب من كل الحدود، وأن قيم الأرض والتراب هي المبتدأ والمنتهى. لقد كان نموذجاً حياً للتآخي والسلام الذي تشبّعت به الولاية، وجسراً متيناً عبرت فوقه عواطف المحبة بين المسلمين والمسيحيين في كل منشط ومحفل.
وحين داهمت البلاد خطوب النزوح، غادر القمس مجبراً ليموت غريباً في جمهورية مصر العربية قبل شهور قليلة، في غصةٍ اختصرت وجع البلاد وأهلها. لكن النزوح الذي يملك القدرة على تشريد الأجساد، يقف عاجزاً أمام نفي الأرواح وعشق المدن. وتأتي عودة ابنه في هذه الأيام إلى أزقة “ودمدني” لتوقظ في النفوس نبتة الأمل والوفاء؛ عودة تحمل في طياتها جينات ذلك العشق النبيل، وتعلن أن الإرث الذي تركه والده ليس حبراً على ورق، بل هو عقيدة حب تُورّث، وجذور ضاربة في عمق الأرض لن تقتلعها رياح الأزمات.
رحل نبيل القمس تاركاً خلفه تكتيكاً فريداً في إدارة الحب وبناء الجسور، وستبقى المدينة وقدسية تلاحمها تذكره حياً كلما تشابكت الأيدي في
ملمة، ليبقى طيفه حارساً لـ “سودان” يتسع للجميع، ويتنفس بقلب رجل واحد.



