(همس الأربعاء) خالد أمين زكي يكتب…. فخ الامتثال!!
في دهاليز الإدارة الحديثة، تولد اللوائح لتكون بمثابة البوصلة التي تهدي السفن إلى بر الأمان الحوكمي، غير أن المشهد الراهن بات يكشف عن فخٍّ ناعم، أسميه “الامتثال الصامت”.
إنها اللحظة الحرجة التي يتحول فيها تطبيق اللائحة من وسيلة لتحقيق الكفاءة إلى غاية مقدسة بذاتها، حيث يستغرق المسؤول في حراسة الشكليات وملء الاستمارات.
ويسقط في فخ سلامة الإجراء على حساب جودة النتيجة. إنها الهندسة العكسية للنجاح، حيث ينجو الحرف ويموت الأثر، ويصبح الورق أثمن من الفكرة ذاتها.
إن تضخم البيروقراطية وتصلب شرايين القوانين دون مرونة واعية، يُنتج بيئة عمل عقيمة، مصابة بالأنيميا الابتكارية. وفي هذه المناخات المتكلسة، يتسلل الخوف من الخطأ ليصبح هو المدير الفعلي للمؤسسة؛ فيفضل الجميع الانكفاء تحت مظلة الأمان الإجرائي والسير بجوار جدران النصوص الصارمة.
الابتكار – بطبيعته الوجدانية والعملية – طائر متمرد يحتاج إلى فضاء من الحرية ومغامرة مدروسة للتجاوز، بينما تعمل البيروقراطية الصلبة كقيد خرساني يغتال الفكرة وهي في مهدها. وعندما يرتعد الموظف خوفاً من تجاوز بند فرعي، فإنه يضحي تلقائياً بفرصة وثوب كبرى كانت كفيلة بنقل المؤسسة إلى الصدارة.
إن العبور نحو المستقبل لا يعني إشاعة الفوضى أو التخلي عن الرقابة، بل يكمن في الانتقال السريع من الامتثال الجامد إلى الحوكمة الذكية. تحتاج المؤسسات اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى قادة ملهمين يدركون أن روح القانون مقدمة على حرفيته المقيدة، وأن الضوابط وُجدت لخدمة الإنسان وتسيير الحياة، لا لتحويل المكاتب إلى ساحات انتظار أبدي.
إن الإدارة الاحترافية ذات التكنيكل العالي هي التي تتقن ضبط إيقاع التوازن بين المعايير الرقابية والابتكار الإداري، ليتغير دور المسؤول من شرطي يقف على قارعة الأخطاء إلى مهندس استراتيجي يمهد طرق العبور نحو التميز، ويصنع الأثر الحقيقي بدلاً من الاكتفاء بحراسة القبور النصية.



